الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تبدلت حالتي النفسية بعد انتحار شاب، فما نصيحتكم لي؟
رقم الإستشارة: 2389409

881 0 45

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سأتحدث عن مشكلتي بالتفصيل، بدأت منذ أن سمعت أن شابا عمره 24 سنة يسكن قريبا منا انتحر -الله يرحمه-، فقد كان متفوقا ويدرس جيدا، انتحر قبل حفل تخرجه بأسبوع، تأثرت وانشغلت بالتفكير كثيرا عما جعله ينتحر؟ وصرت أتكلم دائما وأقول في نفسي إنه شيء خاص، وبعد أيام قالت لي إحدى الجارات إنه كان مريضا بمرض الفصام، وكأن صوتا في أذنه، فزاد انشغالي كيف يكون مريضا ومتفوقا في الدراسة وعائلتهم ميسورة يعمل هكذا؟

أصابني وسواس أنني سأنتحر مثله أو سأفقد الوعي وانتحر، وبدأت تأتيني وساوس أن أهلي لا يعاملونني بطريقة جيدة، وأتذكر المواقف التي كانوا يشتمونني فيها (يعني صار تفكيري يتذكر فقط الأوقات الصعبة)، وصرت أراقب أذني، وأخاف أن يتكلم لي أحد في أذني، وأراقب تصرفاتي، فنقص وزني كثيرا في مدة قصيرة، وتغيرت كثيرا، وأصبحت لا أريد الاختلاط بالناس ولا أريد رأيتهم، وأريد أن أبقى فقط على سريري، وأبكي وأبحث في الإنترنت.

وفي وقت النوم ليلا كنت لا أنام نهائيا بسبب الخوف، وأتكلم مع نفسي كثيرا، صارحت أمي بحالتي ولكنها لم تفهمني، وبقيت على هذا الحال مدة 3 أشهر، لدرجة أنني صرت أحس بشعور سيء ومرعب، وأحس بالذنب (كأنني قاتلة أحد ما) وفاقدة الأمل في حالتي، وهربت عن الواقع (يعني ما زلت أتذكر أمي والجميع وأننا خلقنا الله سبحانه وتعالى).

تفكيري تبدل 100% لدرجة أنني صرت أرى السماء قريبة على الأرض، وأرى الدنيا سوداء، وصرت لا أعتني بنفسي أريد أن أبقى مستلقية على السرير فقط، وعندما كنت أبدأ في الصلاة أشعر ببرودة في رجلي، وأحس كأنني سأموت، وتتزايد دقات قلبي، وشعور أنني سأكمل الصلاة وأنا أبكي، وأذهب إلى أمي وأنا مسرعة لكي أموت بجانبها، وللأسف في تلك الأيام تركت الصلاة -سامحني الله- كنت أخاف كثيرا، وبعدها قرر أخي جزاه الله خيرا أن يذهب بي لدكتور نفسي، وجلست أمام الدكتور وأنا أبكي وتحدثت له، وشرحت سبب وماذا أحس به، ولكنني لم أشرح له بالتفصيل، ولما غلب علي البكاء قلت له أنني أريد أن أنتحر؛ لأنهم تركوني حتى وصلت إلى هذه الحالة سامحني الله على هذه الكلمة، ووصف لي دواء (نوديب) نصف حبة لمدة أسبوع، وبعدها حبة بعد الغداء، ودواء (اثيميل) نصف حبة ليلا.

الآن صار لي 4 أشهر وأنا أتناول الدواء، تحسنت قليلا ولكن ما زلت لا أرغب في الدراسة والخروج، وأشعر بالخوف، والشيء الذي يؤرقني هو الحديث السلبي مع النفس مثلا: أتخيل نفسي أني قلت للدكتورة شيئا وأجاوب نفسي بدورها بجواب سيء وسلبي، أتكلم مع نفسي في جميع الأوقات لدرجة أنني أسهو كثيرا، ولا أركز مع من يخاطبني، ولا أركز في مجمع الحديث، وصرت أكره نفسي لهذه العادة، ولا ألقى راحتي على هذا الحديث.

أتمنى يا دكتور أن تنصحني بنصائحك الثمينة، وتدعو لي في صلاتك، وكل من قرأ استشارتي يدعو لي، والله يشافي الجميع، وآسفة على الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ خديجة يحفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أشكرك على الثقة في إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

لا شك أن الانتحار حدثٌ بشعٌ وفظيع، هذا أمرٌ مفروغ منه، وحتى نحن الأطباء الذين من المفترض أن نكون قد تعوّدنا على هذه الأشياء ونُشاهدها ننزعج كثيرًا لمثل هذا الحدث، فهو حدثٌ غريب من نوعه، وأقصد بذلك غرابة السلوك الإنساني الذي يؤدي إلى أن يقتل الإنسان نفسه.

لكن كل إنسان خلقه الله تعالى بالكيفية التي يعيش حياته على أسسها، ويكون له طبعه ومزاجه وطريقته في الحياة، وهنالك من تنتهي حياته بموتٍ طبيعي، وهناك من تنتهي حياته بغير ذلك، تعددت الأسباب والموتُ واحد كما يُقال.

أنا أعتقد أنه حدث لك ما نسمّيه بعدم القدرة على التكيُّف النفسي، هناك حدث فظيع بشع لشخصٍ يسكن بالقُرب منكم، أنهى حياته عن طريق الانتحار، ووجدتِّ أنتِ صعوبة كبيرة جدًّا في التكيُّف مع هذا الحدث من الناحية النفسية، وأصبح يشغل بالك، وهو حدث مُخيفٌ كما ذكرتُ لك، وواضح أن قلبك فيه الكثير من الرحمة والودّ الوجداني الإيجابي، وهذا قطعًا زاد من تأثُّرك وتحمُّلك لهذا الحدث أو التعامل معه.

اسألي الله تعالى لهذا الإنسان الرحمة والمغفرة، وفي مثل هذه المواقف لا بد أن نتذكّر قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا} ونقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، والحمد لله تعالى الانتحار وسط المسلمين قليل جدًّا، وإذا هذا الشخص كان بالفعل غير مستبصر وفاقد للأهلية فأمره إلى الله، وإن شاء الله تشمله رحمة الله تعالى.

الأمر يجب ألَّا يأخذ منك حيِّزًا من التفكير أكثر من ذلك، وأنت ذهبت إلى الطبيب النفسي لعلاج هذا العُسْر المزاجي وما أصابك من قلق وسواسي، وأنا أرى أن هنالك بوادر تحسُّن، وهذا أمرٌ جيد، ولا أريدك أبدًا أن تعتقدي أن الدواء لوحده سوف يفيدك، الدواء يُساعد، لكن دائمًا حاولي أن تسبقي أفكارك ومشاعرك السلبية بأفعالك الإيجابية، هذا مهمٌّ جدًّا.

نظِّمي وقتك، كل شيءٍ قومي به في الوقت المُحدد له، وهذه هي الطريقة التي ينجح بها الإنسان، لا تؤجّلي واجبات الحياة، كوني حازمة مع نفسك، كوني صارمة، النوم الليلي المبكر يُجدد طاقات الإنسان ويجعله فعّالاً جدًّا في فترة البكور والصباح، وهي أفضل أوقات اليوم، ممارسة الرياضة تناسب الفتاة المسلمة، النظام الغذائي المتوازن، أداء الصلاة في وقتها، وأن تكوني دائمًا حسنة التطلُّعات والتوقُّعات، هذا أيضًا يُعتبر إضافة علاجية كبيرة جدًّا.

عدم التركيز ناتج قطعًا من القلق المصاحب للوسواس، ولذا النوم المبكر وممارسة الرياضة وتلاوة القرآن، وكذلك تطبيق بعض التمارين الاسترخائية اعتبريها أمورا مهمَّةٌ جدًّا في حياتك، وسوف تعطيك إن شاء الله تعالى دفعًا نفسيًّا معنويًّا إيجابيًّا جدًّا.

تابعي مع الطبيب، وقطعًا الدواء يحتاج للمزيد من الوقت ليؤدي فعاليته؛ لأن البناء الكيميائي للأدوية يستغرق وقتًا.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً