الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف نوفق بين ما ورد في العلم النفسي وما ورد في الشرع عن كتم الغيظ؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله تعالى أن يجزل لكم الأجر والثواب على ماتقدمونه من خدمة للإسلام والمسلمين.

حث الإسلام على كظم الغيظ، قال تعالى:" والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"، وحديث:" من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلاق"، وله روايات وحسن هذا اللفظ الألباني -رحمه الله-.

السؤال: إن المختصين في علم النفس يحذرون من كبت المشاعر، لما له من أثر على النفس، وقد يؤدي لأمراض نفسية وجسدية، فكيف نوجه هذا الحديث؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ omar حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك – أخي الفاضل – وأهلاً وسهلاً ومرحباً بك في الموقع سائلاً الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والهدى والحكمة والصواب والرشاد، آمين.

- بخصوص سؤالك عن الفرق بين كظم الغيظ الذي جاءت النصوص الشرعية ببيان فضله بنحو ما ذكرتم لا يتعارض مع ما قرره علم النفس من أهمية التنفيس عن المشاعر وعدم كبتها حتى لا تؤثر على صحة الإنسان البدنية والعقلية والنفسية، فالكبت – كما يقال وهو الواقع وفي الأمثال – يولد الانفجار، وما زاد عن حده انقلب إلى ضده، فالشعور بالغضب أمر طبيعي فطري لدى البشر كلهم، بدليل إجازة الشرع للتهاجر بين المؤمنين بشرط أن لا يزيد عن ثلاث ليال كنوع من التنفيس عن الغضب، وقد جاء في الصحيحين: (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال..).

- ويتمثل الفرق بينهما بإدراك أنه يشترط في كظم الغيظ التزام المسلم الحدود والضوابط الشرعية بحيث لا يتعدى حقوق الله وحقوق النفس وحقوق الآخرين، وأما التنفيس عن المشاعر بالغضب والشكوى ونحوهما فهو مطلوب ومحمود إذا كان كذلك في حدود الشرع والعقل والتوازن والاعتدال، وأما إذا تجاوز به صاحبه هذه الحدود والضوابط فهو مذموم شرعاً وعقلاً لمخالفته النصوص وترتب الآثار السيئة عليه.

- ويمكن التنفيس عن الغضب بالطريقة الصحيحة كما ينفس الجسد عن آلامه عن طريق الالتهابات ونحوها، وذلك بلزوم الهدوء والتحكم بالنفس والمشاعر الداخلية، وقد استوصى رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مراراً فكرر له مراراً: (لا تغضب).

- كما يمكن التنفيس بالتعبير عنه بالمصارحة للطرف الآخر بطريقة منطقية بعيدة عن العنف منعاً من تكرار الخطأ والتجاوز من الآخرين وبالمسامحة حرصاً على التقارب وقطع أسباب العداوات، قال تعالى في أوصاف المؤمنين: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون)، وصح في حديث التهاجر السابق: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

- وكذا بالترويح عن النفس بالنزهة والمتعة والرياضة والزيارات دفعاً للاحتقان الداخلي، وقد جاء في الأثر: (أجمّوا هذه النفوس؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان).

- ومما يسهم في ترويض النفس وتهذيبها وإصلاحها: الالتزام بحدود الشرع والعقل الدالة على منع التعدي على حدود الله وحقوق الناس وإدراك الآثار السيئة للإفراط في الغضب فيما قد يجر إليه من البغضاء والشحناء والعداوات والتفرق والطلاق والقتل ونحوها واستحضار حقوق الأخوّة وكرامة الآخرين.

- تعميق الإيمان بلزوم التقوى والطاعات والذكر وطلب العلم والصحبة الصالحة وقراءة القرآن.

- ودلت النصوص على فضل الاستعاذة بالله عند الغضب (وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).

- عدم النقاش في الموضوع حال الغضب، والتماس وتحيُّن الوقت والمكان المناسبين للحوار وحين هدوء النفس وتغيير الوضع من القيام إلى الجلوس والوضوء والصلاة والطاعة.

هذا وأسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن نزغات الشياطين وأن يحضرون ويحفظنا من كل سوء ومكروه ويوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، والله الموفق والمستعان.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً