الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

توقف الجهاز التناسلي عن النمو لدى المرأة هل يكون ذلك داعياً لترك الزواج؟

السؤال

السلام عليكم..

عمري الآن 28 سنة، ولم يحصل عندي حيض، وبعد استشارة الأطباء تأكد أن جهازي التناسلي قد توقف عن النمو في مرحلة صغيرة جداً، فهل هذا سبب كاف حتى أعرض عن الزواج كي لا أؤذي من قد يكون زوجي، وأضيع جزءاً من عمره وأنا أعرف مسبقاً أني عاقر؟
أفيدوني جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Hayat حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله - تبارك وتعالى - أن يجعل لك من لدنه ولياً ونصيراً، وأن يجعل لك آية من آياته، وأن يمنَّ عليك بزوج صالح مبارك وذرية طيبة مباركة، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك -أختي الكريمة الفاضلة– فإنك تعلمين أن هذه الدنيا إنما هي دار ابتلاء وامتحان واختبار، ولعله لا يخفى عليك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبداً ابتلاه)، وفي رواية: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يُصب منه).

فهذه الابتلاءات التي تعترض الإنسان في حياته إنما هي لحكمة يعلمها الله تبارك وتعالى إما أن تكون لرفع درجة من درجات العبد عند الله - جل جلاله -فقد يكون قد سبق في علم الله تعالى أن يكون هذا العبد مثلاً من أهل الفردوس الأعلى، ولكنَّ عمله لا يصل به إلى هذه الدرجة فيبتليه الله تبارك وتعالى ابتلاءً في نفسه أو في بدنه أو في ماله أو في ولده أو في أي شيء عزيز عليه، ثم يرزقه الصبر على هذا الابتلاء حتى يُكرم بالصبر ليكون من أصحاب هذه المنزلة العالية؛ لأن الله تبارك وتعالى أخبرنا بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا))[النساء:40]، وقال أيضاً: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا))[يونس:44]، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً).

فالله جل جلاله لا يظلم أحداً من خلقه أبداً، وإذا ابتلى بعض عباده ببعض العلل أو الأسقام أو الآفات أو العاهات فإنما ابتلاه لحكمة يعلمها - جل جلاله - وسيعوّضه على ذلك خيراً؛ ولذلك أقول لك -أختي الكريمة الفاضلة– بدايةً:
أبشري برحمة الله تعالى ورضوانه ورضاه عنك، واصبري على ما قدره لك من قدر، فإن قدر الله تبارك وتعالى كله خير.

وأما عن ذكرك بأن مسألة الجهاز التناسلي عندك قد توقف عن النمو في مرحلة صغيرة، بناء على استشارة الأطباء، فأنا أتمنى - معذرة - في البداية أن تعيدي المحاولة مرة أخرى؛ لاحتمال أن يكون هؤلاء الأطباء ليسوا على المستوى المطلوب لتقرير مثل هذه الحالة، فإذا أتيحت لك فرصة أو كانت لديك القدرة على مراجعة أطباء غير هؤلاء الأطباء الذين تمت مقابلتهم، فأرى أن ذلك من باب ((لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))[البقرة:260]، لاحتمال أن تكون هنالك فرصة، وهؤلاء الأطباء لم يقفوا عليها، أو أن يكون هناك سبب وهؤلاء لم يتعرفوا عليه.

إذن هذه المسألة علينا أن نبحث مرة أخرى فيها حتى تتأكدي يقيناً من أن هذا الأمر كما وصف هؤلاء الأطباء، ثم بعد ذلك نحن أمام واحد من اثنين: إما أن يكون كلامهم خطأ ونحمد الله تبارك وتعالى على ذلك ونسأل الله أن يكون الأمر كذلك، وبذلك تفتح أمامنا نافذة من الأمل من خلالها نستطيع أن نعرج إلى الحياة الطبيعية، وإما أن يكون كلامهم صواباً وفي هذه الحالة ليس أمامنا إلا أن نصبر ونجتهد مرة أخرى في السؤال: هل هناك من سبيل لوضع أجهزة تعويضية أو لإصلاح هذا الخلل الذي وُجد، فإذا كان هناك من فرصة لإجراء عمليات جراحية لوضع أجهزة تعويضية أو لتوسيع هذا المكان أو لعلاج هذا الخلل، فإذن ينبغي عليك أن تأخذي بذلك - بارك الله فيك – حتى تكوني مهيأة لاستقبال الحياة الزوجية الطيبة المستقرة.

وأما عن كونك الآن تقولين هل هذا سبب كافي حتى تُعرضي عن الزواج لكي لا تؤذي زوجك؛ لأنك تعلمين مسبقاً أنك عاقر؟ أقول لك - أختي الكريمة الفاضلة -:

علينا أولاً: أن نأخذ بالأسباب، وأن نبحث -كما ذكرت- أولاً: نستشير مجموعة أخرى من الأطباء.

ثانياً: إذا كان هناك فرصة لإجراء بعض العمليات الجراحية التعويضية، فلا مانع من ذلك.

ثالثاً: إذا قدر الله أن ذلك لم يتم، فأنا أرى أنه إن تقدم إليك أحد فأخبريه بالحقيقة؛ لأن هناك من الرجال من يريد الزوجة الولود، وهناك من الرجال أيضاً من لا يريد أولاداً لظروف يعلمها هو؛ ولذلك كل شيء مقبول ومرغوب في هذه الحياة: رجل قد يكون عنده – مثلاً – عدد من الأولاد ويريد أن يتزوج ولا يريد أن ينجب أولاداً آخرين فيبحث عن أخت لا تُنجب حتى يستطيع أن يوائم ما بين حياته الأولى والثانية، وفي هذه الحالة تكونين أنت المطلوبة والمناسبة.

فأقول -بارك الله فيك– لا تعرضي عن الزواج لهذا السبب، وإنما إن تقدم إليك أحد فأخبريه بالحقيقة.

ثالثاً وأخيراً: هذا كلام الأطباء، أما قدرة الله فلا حد لها ولا نهاية، فإن الله تبارك وتعالى قادر جل جلاله رغم هذا العيب الموجود أن يرزقك ذرية صالحة من لدنه، والدليل على ذلك ما حدث لامرأة زكريا عليه السلام؛ لأنها وصلت إلى الثالثة والتسعين من عمرها، ولم تكن لديها القدرة على الإنجاب، وشاء الله تعالى أن تُنجب وأن تحمل بنبي الله يحيى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، بل إن نبي الله زكريا نفسه قال: ((رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا))[مريم:8]، فرد الله عليه قوله: ((قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ))[آل عمران:40]، وكذلك الأمر في زوجة إبراهيم عليه السلام عندما تعجبت بما بشرت به ملائكة الله إبراهيم عليه السلام، فقالت الملائكة لها: ((أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ))[هود:73].

فأنا أقول: توكلي على الله، ولا ترفضي أي أحد يتقدم إليك، ولكن أخبريه بالحقيقة، ودعي النتائج لله تبارك وتعالى وأسأل الله عز وجل أن يجعل لك آية من آياته، وأن يكون تقرير الأطباء خاطئاً، وأن تكوني طبيعية، وأن يمنَّ عليك بزوج صالح، وذرية طيبة مباركة.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً