الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون  كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون  والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين  الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون  وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم  

                                                                                                                                                                                                                                      يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة قال مقاتل : نزلت في ضعفاء المسلمين بمكة ، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، فاخرجوا منها.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله، وكذلك يجب على من كان في بلدة يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته، ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، فقال: كل نفس ذائقة الموت أي: كل أحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، ثم إلينا ترجعون بعد الموت، فنجزيكم بأعمالكم، ثم ذكر ثواب من هاجر، فقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني المهاجرين، لنبوئنهم من الجنة غرفا قال ابن عباس : لنسكنهم غرف الدر والزبرجد والياقوت، ولننزلنهم قصور الجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ حمزة لنثوينهم، قال الزجاج : يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، قال الأخفش : ولا تعجبني هذه القراءة لأنك لا تقول أثويته الدار بل تقول في الدار وليس في الآية حرف جر في المفعول الثاني، وقال أبو علي الفارسي : هو على إرادة حرف الجر، ثم حذف كما يقال: أمرتك الخير، أي بالخير، ثم وصف تلك الغرف، فقال: تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يموتون، ونعم أجر العاملين لله الغرف، ثم وصفهم فقال: الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه لشدة لحقتهم، وعلى [ ص: 425 ] ربهم يتوكلون قال ابن عباس : وذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم، وقال مقاتل : إن أحدهم كان يقول بمكة كيف أهاجر إلى المدينة ، وليس لي بها مال ولا معيشة، فقال الله: وكأين من دابة وهي كل حيوان يدب على الأرض مما يعقل ولا يعقل، والمعنى: من نفس دابة.

                                                                                                                                                                                                                                      لا تحمل رزقها لا ترجع رزقها معها، ولا تدخر شيئا لغد، الله يرزقها حيث ما توجهت، وإياكم يرزق إن خرجتم إلى المدينة ولم يكن لكم زاد ولا نفقة، قال سفيان : وليس شيء مما خلق الله يخبئ ويدخر إلا الإنسان والفأرة والنملة.  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وهو السميع أي: لقولكم إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة .

                                                                                                                                                                                                                                      العليم بما في قلوبكم.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا أبو محمد بن حيان ، أنا أحمد بن جعفر الجمال ، نا عبد الواحد بن محمد البجلي ، نا يزيد بن هارون ، قال: حدثنا حجاج بن منهال ، عن الزهري، وهو عبد الرحمن بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، قال: خرجت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من الثمر ويأكل، فقال: يا ابن عمر، ما لك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: ولكني أشتهيه وهذه صبح رابعة مذ لم أذق طعاما، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك، يا ابن عمر، إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين؟ فوالله ما برحنا حتى نزلت: وكأين من دابة لا تحمل رزقها  الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية