الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا  إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا  

                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم يذكرهم الله إنعامه عليهم في دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، إذ جاءتكم جنود وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق : عيينة بن حصن ، وأبو سفيان ومن معهما من المشركين وقريظة ، فأرسلنا عليهم ريحا وهي الصبا، أرسلت على الأحزاب حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، وجنودا لم تروها يعني الملائكة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الرمجاري ، أنا أبو عمرو بن ماسي ، نا أبو مسلم الكجي ، نا أبو عمر الحوضي ، نا زياد بن عبد الله العامري ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال: قال شاب لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله، هل رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إي والله، لقد رأيته، قال: والله، لو رأيناه لحملناه على رقابنا، وما تركناه يمشي على الأرض، فقال له حذيفة : يا ابن أخي، أفلا أحدثك عني وعنه؟ قال: بلى، قال: والله، لو رأيتنا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى ما شاء الله من الليل، ثم قال: " ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله رفيقي في الجنة، فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع، ثم صلى ما شاء الله، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله رفيقي في الجنة، قال حذيفة : فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الجهد والخوف والجوع، فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك، قال: اذهب فجئني بخبر القوم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع، قال: فأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده تفعل بهم ما تفعل ما يستمسك لهم بناء ولا تثبت لهم نار ولا تطمئن لهم قدر، فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله، فقال: يا معشر قريش، لينظر أحدكم من جليسه؟ قال أبو عمر: يخوفهم أن يكون عليهم عيون من المسلمين، قال حذيفة : فبدأت بالذي إلى جنبي، فقلت: من [ ص: 461 ] أنت؟ قال: أنا فلان، ثم دعا أبو سفيان براحلته، فقال: يا معشر قريش، والله ما أنتم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شيء، ولا تثبت لنا نار، ولا تطمئن قدر، ثم عجل وركب راحلته، وإنها لمعقولة، ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها، قال: فقلت في نفسي: لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئا، فوترت قوسي ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا أريد أن أرميه فأقتله، فذكرت قول النبي، صلى الله عليه وسلم: لا تحدثن شيئا حتى ترجع، قال: فحططت القوس ثم رجعت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته وأرسل علي طائفة من مرطه فركع وسجد، ثم قال: ما الخبر؟ فأخبرته.  

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أخبر الله، عز وجل، عن آل الأحزاب من أين جاؤوا فقال: إذ جاءوكم من فوقكم من فوق الوادي من قبل المشرق قريظة ، والنضير ، وغطفان .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن أسفل منكم من قبل المغرب من ناحية مكة ، أبو سفيان في قريش ومن تبعه، وإذ زاغت الأبصار مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب، وبلغت القلوب الحناجر الحنجرة جوف الحلقوم، قال قتادة : شخصت عن مكانها، فلولا أنه حنتق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، والمعنى ما ذكره الفراء : وهو أنهم جنود، جزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة رفعت القلوب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره.

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قلت يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: " قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا".

                                                                                                                                                                                                                                      قال: فقلناها فضرب الله وجوه أعدائه بالريح وهزموا.
                                                                                                                                                                                                                                       


                                                                                                                                                                                                                                      وتظنون بالله الظنونا أي: اختلفت الظنون، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر، وبعضكم أيس وقنط.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الحسن : ظنونا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل محمدا عليه السلام، وظن المؤمنون أنه ينصر.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية