قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة قال يعني: على عهد ابن عباس: إبراهيم كفارا كلهم.
وقال الحسن، وعطاء: كان الناس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح، أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا [ ص: 316 ] كفارا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين نوحا وإبراهيم وغيرهما من النبيين، وأنزل معهم الكتاب يعني الكتب، والكتاب: اسم جنس أريد به الجمع، بالحق يريد: بالعدل والصدق، ليحكم أي: الكتاب، بين الناس بما فيه من البيان، فيما اختلفوا فيه من الأحكام، وما اختلف فيه الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة.
قوله: إلا الذين أوتوه يعني: اليهود، واختلافهم في التوراة: تبديل بعضهم وتحريفهم، من بعد ما جاءتهم البينات الدلالات الواضحات في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، بغيا بينهم حسدا منهم وطلبا للرياسة، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه أي: إلى ما اختلفوا فيه، من الحق والمعنى: لمعرفة ما اختلفوا فيه، يقال: هديته إلى الشيء، وللشيء.
قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام، وهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد فهدانا الله له.
واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا.
وقالت النصارى: كان نصرانيا.
فهدانا الله تعالى للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهودية لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدانا الله عز وجل من ذلك.
أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن عون، حدثنا أبو سفيان محمد بن حميد، حدثنا عن معمر بن راشد، عن الأعمش، أبي صالح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: أبي هريرة فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه قال: فهدانا الله لما اختلفوا فيه، فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى". "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، عن
[ ص: 317 ] وقوله: بإذنه أي: بعلمه وإرادته فيهم، قال يريد: كان في قضائي وقدري. ابن عباس:
قوله تعالى: أم حسبتم الآية، قال عطاء، عن لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس: المدينة اشتد الضر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل تطييبا لقلوبهم: أم حسبتم.
معناه: بل أحسبتم؟ أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم أي: ولم يأتكم، وما صلة، مثل الذين أي: شبه الذين، خلوا مضوا، من قبلكم من النبيين والمؤمنين، وفي الكلام حذف تقديره: مثل محنة الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم، و "المثل والمثل": واحد.
ثم ذكر ما أصابهم فقال: مستهم البأساء قال يريد: الفقر الشديد، عطاء: والضراء المرض والجوع، وزلزلوا : حركوا بأنواع البلايا والرزايا، حتى يقول الرسول إلى أن يقول الرسول، والذين آمنوا معه متى نصر الله ؟ أي: بلغ منهم الجهد إلى أن استبطؤوا النصر، فقال الله تعالى: ألا إن نصر الله قريب أي: أنا ناصر أوليائي لا محالة، ونصري قريب منهم.
وقرئ حتى يقول الرسول رفعا، كما تقول: سرت حتى أدخلها.
بمعنى: سرت فأدخلها، بمنزلة: سرت فدخلتها، وحتى ها هنا مما لا يعمل في الفعل شيئا ؛ لأنها تلي الجمل، تقول: سرت حتى إني كال، وكقول الفرزدق:
فيا عجبا حتى كليب تسبني
[ ص: 318 ] فعملها في الجمل يكون في معناها، لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية.