الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة  قال ابن عباس: يعني: على عهد إبراهيم كفارا كلهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن، وعطاء: كان الناس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح، أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا [ ص: 316 ] كفارا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين نوحا وإبراهيم وغيرهما من النبيين، وأنزل معهم الكتاب يعني الكتب، والكتاب: اسم جنس أريد به الجمع، بالحق يريد: بالعدل والصدق، ليحكم أي: الكتاب، بين الناس بما فيه من البيان، فيما اختلفوا فيه من الأحكام، وما اختلف فيه الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: إلا الذين أوتوه يعني: اليهود، واختلافهم في التوراة: تبديل بعضهم وتحريفهم، من بعد ما جاءتهم البينات الدلالات الواضحات في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، بغيا بينهم حسدا منهم وطلبا للرياسة، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه أي: إلى ما اختلفوا فيه، من الحق والمعنى: لمعرفة ما اختلفوا فيه، يقال: هديته إلى الشيء، وللشيء.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام، وهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد فهدانا الله له.

                                                                                                                                                                                                                                      واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقالت النصارى: كان نصرانيا.

                                                                                                                                                                                                                                      فهدانا الله تعالى للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهودية لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدانا الله عز وجل من ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن عون، حدثنا أبو سفيان محمد بن حميد، حدثنا معمر بن راشد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم،  فهدانا الله لما اختلفوا فيه، فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى".

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 317 ] وقوله: بإذنه أي: بعلمه وإرادته فيهم، قال ابن عباس: يريد: كان في قضائي وقدري.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: أم حسبتم الآية، قال عطاء، عن ابن عباس: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتد الضر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل تطييبا لقلوبهم: أم حسبتم.

                                                                                                                                                                                                                                      معناه: بل أحسبتم؟ أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم أي: ولم يأتكم، وما صلة، مثل الذين أي: شبه الذين، خلوا مضوا، من قبلكم من النبيين والمؤمنين، وفي الكلام حذف تقديره: مثل محنة الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم، و "المثل والمثل": واحد.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر ما أصابهم فقال: مستهم البأساء قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، والضراء المرض والجوع، وزلزلوا : حركوا بأنواع البلايا والرزايا، حتى يقول الرسول إلى أن يقول الرسول، والذين آمنوا معه متى نصر الله ؟ أي: بلغ منهم الجهد إلى أن استبطؤوا النصر، فقال الله تعالى: ألا إن نصر الله قريب أي: أنا ناصر أوليائي لا محالة، ونصري قريب منهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ حتى يقول الرسول رفعا، كما تقول: سرت حتى أدخلها.

                                                                                                                                                                                                                                      بمعنى: سرت فأدخلها، بمنزلة: سرت فدخلتها، وحتى ها هنا مما لا يعمل في الفعل شيئا ؛ لأنها تلي الجمل، تقول: سرت حتى إني كال، وكقول الفرزدق:


                                                                                                                                                                                                                                      فيا عجبا حتى كليب تسبني



                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 318 ] فعملها في الجمل يكون في معناها، لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية