الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ قَوْلُهُ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فَإِنَّهُمَا مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمَالِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَالْخَمْرُ إِنَّمَا سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَامِرُ الْعَقْلَ، أَيْ: تُخَالِطُهُ، يُقَالُ: خَامَرَهُ الدَّاءُ، إِذَا خَالَطَهُ. قَالَ كُثَيِّرٌ: هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتْ وَهِيَ كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ مُغَطٍّ لِلْعَقْلِ، سَوَاءً كَانَ عَصِيرًا أَوْ نَقِيعًا، مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ نَيًّا. وَ "الْمَيْسِرُ": الْقِمَارُ، وَالْيَاسِرُ وَالْيُسْرُ: الْمُقَامِرُ، وَتُجْمَعُ الْيُسْرَ: أَيْسَارًا. وَقَوْلُهُ: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ أَرَادَ: الْإِثْمَ بِسَبَبِهِمَا، مِنَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ، وَقَوْلِ الْفُحْشِ وَالزُّورِ، وَزَوَالِ الْعَقْلِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْقِمَارُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ، بِأَنْ يَصِيرَ مَالُ الْإِنْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ جَزَاءٍ يَأْخُذُ عَلَيْهِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كَبِيرٌ بِالْيَاءِ ؛ لِأَنَّ الذَّنَبَ يُوصَفُ بِالْكِبَرِ وَالْعِظَمِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ، كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ كَذَلِكَ هَا هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالْبَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرَ مِنَ الْكَبِيرَةِ؟ وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالثَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهَا مَا يُقَوِّي وَصْفَ الْإِثْمِ فِيهِمَا بِالْكَثْرَةِ دُونَ الْكِبَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَذَكَرَ عَدَدًا مِنَ الذُّنُوبِ فِيهِمَا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ عَشَرَةً فِي سَبَبِ الْخَمْرِ فَدَلَّ عَلَى كَثْرَةِ الْإِثْمِ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ مَنْفَعَةُ الْخَمْرِ: مَا كَانُوا يُصِيبُونَهُ مِنَ الْمَالِ فِي بَيْعِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَاللَّذَّةِ عِنْدَ شُرْبِهَا، وَالتَّقَوِّي بِهَا. وَمَنْفَعَةُ الْمَيْسِرِ: مَا يُصَابُ مِنَ الْقِمَارِ، وَيُرْتَفَقُ بِهِ الْفُقَرَاءُ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُحَرِّمَةَ لِلْخَمْرِ، إِنَّمَا الْمُحَرِّمَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَمَّهَا وَلَمْ يَحَرِّمْهَا، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ حَلَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمَارٌ فَهُوَ مَيْسِرٌ، حَتَّى لَعِبُ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ، وَالْكِعَابِ. وَقَوْلُهُ: وَإِثْمُهُمَا أَيِ: الْإِثْمُ الْحَاصِلُ، أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُمَا فِي الدُّنْيَا، وَمَا يَحْصُلُ مِنَ الْإِثْمِ بِسَبَبِهِمَا يَضُرُّ بِالْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ نَزَلَتْ فِي سُؤَالِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي سُؤَالِهِ، أَعَادَ السُّؤَالَ وَسَأَلَ عَنْ مِقْدَارِ مَا يُنْفِقُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: قُلِ الْعَفْوَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا فَضَلَ مِنَ الْمَالِ وَالْعِيَالِ. وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ. وَأَصْلُ "الْعَفْوِ" فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى عَفَوْا أَيْ: زَادُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَدِ. وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أُمِرُوا أَنْ يُنْفِقُوا الْفَضْلَ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَكَاسِبِ يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ مَا يَكْفِيهِ فِي عَامِهِ، وَيُنْفِقُ بَاقِيَهُ، إِلَى أَنْ فُرِضَتِ الزَّكَاةُ، فَنَسَخَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَكُلَّ صَدَقَةٍ أُمِرُوا بِهَا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي رَفْعِ الْعَفْوِ وَنَصْبِهِ، فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ "مَاذَا" اسْمًا وَاحِدًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَجَوَابُ هَذَا الْعَفْوِ بِالنَّصْبِ - كَمَا تَقُولُ فِي جَوَابِ مَا أَنْفَقْتُ دِرْهَمًا، أَيْ: أَنْفَقْتُ دِرْهَمًا، وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ "ذَا" بَعْدَ "مَا" بِمَنْزِلَةِ الَّذِي، وَرَدَّ الْعَفْوَ عَلَيْهِ فَرَفَعَ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ فَقَالَ: الْعَفْوُ. أَيِ: الَّذِي يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ، فَيُضْمِرُ الْمُبْتَدَأَ الَّذِي كَانَ خَبَرًا فِي سُؤَالِ السَّائِلِ، كَمَا تَقُولُ فِي جَوَابِ مَا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ؟ مَالُ زَيْدٍ، أَيِ: الَّذِي أَنْفَقْتُهُ مَالُ زَيْدٍ. وَقَوْلُهُ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ أَشَارَ إِلَى مَا بَيَّنَ فِي الْإِنْفَاقِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مِثْلُ الَّذِي بَيَّنَهُ لَكُمْ فِي الْإِنْفَاقِ يُبَيِّنُ لَكُمُ الْآيَاتِ، لِتَتَفَكَّرُوا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَتَعْرِفُوا فَضْلَ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، فَتَزْهَدُوا فِيهَا وَفِي إِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا، فَتَرْغَبُوا فِيهَا. قَالَ قَتَادَةُ: مَنْ تَفَكَّرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَرَفَ ذَلِكَ فَضْلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، عَرَفَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، ثُمَّ دَارُ فَنَاءٍ، وَعَرَفَ أَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ ثُمَّ دَارُ بَقَاءٍ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية