الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية، يعني: المطلقات المدخول بهن البالغات غير الحوامل ؛ لأن في الآية بيان عدتهن، ومعنى يتربصن بأنفسهن : ينتظرن انقضاء ثلاثة قروء لا يتزوجن، لفظه خبر ومعناه: الأمر.

                                                                                                                                                                                                                                      و "القروء": جمع قرء، وجمعه القليل: أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد، يقال للحيض: قرء.

                                                                                                                                                                                                                                      وللأطهار: قروء.

                                                                                                                                                                                                                                      وأقرأت المرأة في الأمرين جميعا.

                                                                                                                                                                                                                                      والمراد بالتي في الآية: الأطهار، في قول عائشة رضي الله عنها، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومالك، والشافعي، وأهل المدينة، قال ابن شهاب: ما رأيت أحدا من أهل بلدنا إلا يقول: "الأقراء": الأطهار إلا سعيد بن المسيب.

                                                                                                                                                                                                                                      وأكثر المفسرين: على أنها الحيض، وهو قول فقهاء الكوفة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قال ابن عباس وقتادة ومقاتل:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 333 ] يعني: الحبل والولد، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليطلن حق الزوج من الرجعة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس: وذلك أن المرأة السوء تكتم الحمل شوقا منها إلى الزوج، وتستبطئ العدة لأن عدة ذات الحمل  أن تضع حملها، فيجب عليهن إظهار ما يخلق الله في أرحامهن من الولد، إذ لا مرجع إلى غيرهن فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أغلظ الله القول عليهن حيث قال: إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وبعولتهن هي جمع بعل، يعني: الزوج، أحق بردهن أي: إلى النكاح والزوجية، يعني: أحق بمراجعتهن، في ذلك أي: في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه، إن أرادوا إصلاحا لا إضرارا، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة، وتركها حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، ثم راجعها يضارها بذلك، فجعل الله الزوج أحق بالرجعة على وجه الإصلاح لا على وجه الإضرار.  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال على النساء من الحق بالمعروف، أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا وكيع، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي:  لأن الله تعالى يقول: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وقوله: وللرجال عليهن درجة قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد: بالجهاد والميراث.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 334 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا عباس النرسي، حدثنا خالد، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة من خثعم، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أيم، فأخبرني ما حق الزوج على الزوجة؟  فإن استطعت ذلك تزوجت، وإلا جلست أيما، فقال: " من حق الزوج على الزوجة: إن سألها نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه نفسها، ومن حق الزوج على الزوجة: أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يقبل منها، ومن حق الزوج على الزوجة: ألا تخرج من بيته شيئا إلا بإذنه فإن فعلت كان الأجر لغيرها والإصر عليها، ومن حق الزوج على الزوجة: أن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب".

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو حامد البلالي، أخبرنا أحمد بن منصور المروزي، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 335 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظم الله من حقه عليها"  
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: والله عزيز حكيم أي: أنه يأمر كما أراد ويمتحن كما أحب، ولا يكون هذا إلا عن حكمة بالغة.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية