قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا تقدم تفسيره في سورة العنكبوت ، وقرئ هاهنا إحسانا والمعنى : أمرناه بالإحسان إليهما ، كقوله : وبالوالدين إحسانا ثم ذكر ما [ ص: 107 ] قاسته الأم في حمل الولد ، ووضعه ، فقال : حملته أمه كرها 4 يعني : حين أثقلت ، وثقل عليها الولد ، ووضعته كرها قال يريد شدة الطلق . ابن عباس :
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا يريد : أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع ، كانت هذا القدر ، روى عن عكرمة ، أنه قال : إذا حملت المرأة تسعة أشهر ، أرضعته واحدا وعشرين شهرا ، وإذا حملته ستة أشهر ، أرضعته أربعة وعشرين شهرا . ابن عباس ،
وقال مقاتل ، وعطاء ، عن والكلبي ، هذه الآية نزلت في ابن عباس : رضي الله عنه ، وكان حمله وفصاله هذا القدر . أبي بكر الصديق
ويدل على صحة هذا قوله : حتى إذا بلغ أشده إلى آخر الآية ، وقد علمنا أن كثيرا من الناس ممن بلغ هذا المبلغ لم يكن منه هذا القول ، وهو ما ذكر الله تعالى عنه قال رب أوزعني إلى آخر الآية ، فدل على أنه إنسان بعينه ، وهو رضي الله عنه ، ومعنى قوله : بلغ أشده قال أبو بكر الصديق يريد ثماني عشرة سنة . عطاء :
وذلك أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، والنبي ابن عشرين سنة ، في تجارته إلى الشام ، فكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره ، فلما بلغ أربعين سنة ، ونبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه ، فقال : رب أوزعني ألهمني ، أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي بالهداية والإيمان ، حتى لا أشرك بك ، وعلى والدي أبي قحافة عثمان بن عمرو ، وأم الخير بنت صخر بن عمرو ، وقال رضي الله عنه : هذه الآية في علي بن أبي طالب أبي بكر رضي الله عنه ، أسلم أبواه جميعا ، ولم يجتمع لأحد من الصحابة ، رضي الله عنهم ، المهاجرين أبواه غيره ، وأوصاه الله بهما ، ولزم ذلك من بعده .
وقوله : وأن أعمل صالحا ترضاه قال ابن عباس :
[ ص: 108 ] أجابه الله تعالى ، فأعتق تسعة من المؤمنين ، يعذبون في الله ، ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ، واستجاب الله له في ذريته إذ قال : وأصلح لي في ذريتي فلم يبق له ولد ، ولا والد ، ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده .
أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا عبد الله بن محمد الحافظ ، أنا إسحاق بن أحمد الفارسي ، سمعت يقول : حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : قال لي عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة ، لم يدرك أربعة النبي صلى الله عليه وسلم هم وأبناؤهم إلا هؤلاء : موسى بن عقبة : أبو قحافة ، وأبو بكر ، وابنه عبد الرحمن ، وأبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر .
قال البخاري : أبو عتيق أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن عبد الرحمن بن أبي بكر .
وقوله : إني تبت إليك وإني من المسلمين قال عن عطاء ، إني رجعت إلى كل ما تحب ، وأسلمت لك بقلبي ولساني . ابن عباس :
أولئك يعني : أهل هذا القول ، نتقبل عنهم أحسن ما عملوا يعني : الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا ، وكلها حسن ، فالأحسن بمعنى : الحسن ، ونتجاوز عن سيئاتهم قال يريد ما كان في الشرك . عطاء :
في أصحاب الجنة أي : في جملة من يتجاوز عنهم ، وهم أصحاب الجنة ، وعد الصدق يعني : ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنيهم ، ويتجاوز عن مسيئيهم ، الذي كانوا يوعدون في الدنيا على لسان الرسل .