ثم احتج على إحياء الموتى ، بقوله : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون
أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن لم يعجز عن ذلك ، يقال : عيي فلان بأمره ، إذا لم يهتد له ، ولم يقدر عليه ، بقادر قال أبو عبيدة ، الباء زائدة مؤكدة . والأخفش :
وقال العرب تدخل الباء مع الجحد ، مثل قولك : ما أظنك بقائم . الفراء :
وهو قول الكسائي ، والزجاج .
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل قال ابن عباس ، يريد : نوحا ، وقتادة : وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام .
وقال هم ستة : مقاتل : نوح صبر على أذى قومه ، وإبراهيم صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر ، ويوسف صبر في البئر والسجن ، وأيوب صبر على الضر .
وقال هم الذين أمروا بالجهاد والقتال ، فأظهروا المكاشفة ، وجاهدوا في الدين . الكلبي :
وهذا قول السدي .
وقال أهل المعاني والتحقيق : كل الرسل أولو العزم ، ولم يبعث الله رسولا إلا كان ذا عزم ، وحزم ، ورأي ، وكمال عقل .
ومن في قوله : من الرسل تبيين لا تبعيض ، كما يقال : أكسية من الخز ، وكأنه قيل له : اصبر كما صبر الرسل قبلك على أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم ، لصبرهم ورزانتهم ، ويدل على صحة هذا ما .
أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أنا عبد الله بن محمد بن حيان ، أنا نا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، محمد بن أبي حاتم ، نا [ ص: 117 ] محمد بن الحجاج ، نا السري بن حيان ، نا عباد بن عباد ، نا عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، مسروق ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ، يا عائشة : إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم إلا الصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ، ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم ، فقال الله عز وجل : عائشة فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل قالت لي وإني والله ما بد لي من طاعته ، وإني والله لأصبرن كما صبروا ، وأجهدن ولا قوة إلا بالله" .
وقوله تعالى : ولا تستعجل لهم أي : العذاب ، وكأنه صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر ، وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه ، فأمر بالصبر ، وترك الاستعجال ، ثم أخبر أن العذاب منهم قريب بقوله : كأنهم يوم يرون ما يوعدون أي : من العذاب في الآخرة ، لم يلبثوا في الدنيا ، إلا ساعة من نهار أي : إذا عاينوا العذاب ، صار طول لبثهم في الدنيا ، والبرزخ كأنه ساعة من نهار ؛ لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا ، وتم الكلام ، ثم قال : بلاغ أي : هذا القرآن ، وما فيه من البيان ، بلاغ عن الله إليكم ، والبلاغ بمعنى : التبليغ ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي : لا يقع العذاب إلا بالعاصين ، الخارجين عن أمر الله ، وقال اعلموا ، والله ما يهلك على الله إلا هالك مشرك ولى ظهره للإسلام ، أو منافق صدق بلسانه وخالف بعمله . قتادة :
وقال تأويله لا يهلك مع رحمة الله وتفضله ، إلا القوم الفاسقون . الزجاج :
ولهذا قال قوم : ما في الرجاء لرحمة الله تعالى آية أقوى ، وأتم من هذه الآية .