ثم ذكر اليهود ، وسوء عاقبتهم حين ارتدوا بعد المعرفة ، فقال : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم
إن الذين ارتدوا على أدبارهم رجعوا كفارا ، من بعد ما تبين لهم الهدى ظهر لهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنعته ، وصفته في كتابهم ، الشيطان سول لهم زين لهم القبيح ، وأملى لهم الله أمهلهم موسعا عليهم ، ليتمادوا في طغيانهم ، ولم يعجل عليهم بالعقوبة ، كما قال : وأملي لهم إن كيدي متين ويحسن الوقف على قوله : سول لهم لأنه فعل الشيطان ، والإملاء فعل الله تعالى .
وعلى قول لا يحسن الوقف ؛ لأنه يقول في تفسير وأملى لهم : مد لهم الشيطان في الأمل . الحسن
وقرأ أبو عمرو وأملي لهم على ما لم [ ص: 128 ] يسم فاعله ، وهي حسنة للفصل بين فعل الشيطان وفعل الله ، ويعلم يقينا أنه لا يؤخر أحد مدة أحد ، ولا يوسع فيها إلا الله عز وجل ، وإن كان قد بني الفعل للمفعول .
وقوله : ذلك أي : ذلك الإملاء لليهود ، بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله يعني : المشركين ، سنطيعكم في بعض الأمر يعني : في التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم قالوا ذلك سرا فيما بينهم ، فأخبر الله به عنهم ، وأعلم أنه يعلم ذلك ، فقال : "والله يعلم أسرارهم" وقرئ بكسر الألف على المصدر .
ثم خوفهم ، فقال : فكيف إذا توفتهم الملائكة أي : فكيف يكون حالهم ، إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وقد مر تفسيره .
ثم ذكر سبب ذلك الضرب ، فقال : ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله قال بما كتموا من التوراة ، وكفروا ابن عباس : بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكرهوا رضوانه كرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان ، وإذا كرهوا ما فيه الرضوان فقد كرهوا الرضوان ، فأحبط أعمالهم التي كانوا يعملونها من صلاة ، وصدقة ، وصلة رحم ؛ لأنها في غير إيمان .