الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون  ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون  

                                                                                                                                                                                                                                      وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه يعني: الحواريين وأتباعهم اتبعوا عيسى ، رأفة ورحمة يعني: المودة، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: رحماء بينهم ، وقوله: ورهبانية ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية، أي: جاؤوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله: ما كتبناها عليهم قال ابن عباس : ما فرضناها عليهم. وتلك الرهبانية: غلوهم في العبادة، من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم، والمشرب، والملبس، والنكاح، والتعبد في الجبال، فما رعوها حق رعايتها حين ضيعوها وكفروا بدين عيسى ، حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وهو قوله: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون الذين تهودوا، وتنصروا.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد ، أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، أنا الحسن بن سفيان ، نا شيبان ، نا الصعق بن حزن ، نا عقيل بن يحيى الجعدي ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن سويد بن غفلة ، عن ابن مسعود ، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: اختلف من كان قبلي على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرهم، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى ابن مريم اتخذوهم فقتلوهم وقطعوهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم، فيدعونهم إلى دين الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الآية، فقال [ ص: 255 ] النبي صلى الله عليه وسلم: "من آمن بي وصدقني واتبعني، فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون"   .

                                                                                                                                                                                                                                      رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن ابن هانئ ، عن يحيى الشهيد ، عن عبد الرحمن بن المبارك ، عن الصعق .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الغازي ، أنا أبو عمرو بن أبي جعفر الزاهد ، أنا أحمد بن علي بن المثنى ، نا أحمد بن عيسى المصري ، نا عبد الله بن وهب ، حدثني سعيد بن عبد الرحمن ، أن سهل بن أبي أمامة ، حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك وهو بالمدينة ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تشدوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم   ".

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر المهرجاني ، أنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا أحمد بن حنبل ، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة رضي الله عنها، وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك، فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عائشة ذلك له فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ، فقال: يا عثمان "إن الرهبانية لم تكتب علينا فما لك في أسوة، فوالله إن أخشاكم لله [ ص: 256 ] وأحفظكم لحدوده لأنا"   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أنا يحيى بن منصور القاضي ، نا يوسف بن يعقوب القاضي ، نا عبد الله بن محمد بن أسماء ، نا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن زيد العمي ، عن أبي إياس ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله"   .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية