وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون
وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه يعني: الحواريين وأتباعهم اتبعوا عيسى ، رأفة ورحمة يعني: المودة، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: رحماء بينهم ، وقوله: ورهبانية ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية، أي: جاؤوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله: ما كتبناها عليهم قال : ما فرضناها عليهم. وتلك الرهبانية: غلوهم في العبادة، من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم، والمشرب، والملبس، والنكاح، والتعبد في الجبال، ابن عباس فما رعوها حق رعايتها حين ضيعوها وكفروا بدين عيسى ، حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وهو قوله: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون الذين تهودوا، وتنصروا.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد ، أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، أنا ، نا الحسن بن سفيان شيبان ، نا ، نا الصعق بن حزن عقيل بن يحيى الجعدي ، عن ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن سويد بن غفلة ، قال: ابن مسعود ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الآية، فقال [ ص: 255 ] النبي صلى الله عليه وسلم: "من آمن بي وصدقني واتبعني، فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون" دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: اختلف من كان قبلي على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرهم، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى ابن مريم اتخذوهم فقتلوهم وقطعوهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم، فيدعونهم إلى دين الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل: .
رواه في صحيحه عن الحاكم أبو عبد الله ، عن ابن هانئ يحيى الشهيد ، عن ، عن عبد الرحمن بن المبارك الصعق .
أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الغازي ، أنا أبو عمرو بن أبي جعفر الزاهد ، أنا أحمد بن علي بن المثنى ، نا ، نا أحمد بن عيسى المصري عبد الله بن وهب ، حدثني سعيد بن عبد الرحمن ، أن ، حدثه أنه دخل هو وأبوه على سهل بن أبي أمامة وهو أنس بن مالك بالمدينة ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم "لا تشدوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ".
أخبرنا أبو نصر المهرجاني ، أنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا ، نا أحمد بن حنبل ، أنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عروة ، قال: على عثمان بن مظعون رضي الله عنها، وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك، فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عائشة ذلك له فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة عثمان ، فقال: يا عثمان "إن الرهبانية لم تكتب علينا فما لك في أسوة، فوالله إن أخشاكم لله [ ص: 256 ] وأحفظكم لحدوده لأنا" دخلت امرأة .
أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أنا ، نا يحيى بن منصور القاضي ، نا يوسف بن يعقوب القاضي ، نا عبد الله بن محمد بن أسماء ، عن ابن المبارك سفيان ، عن ، عن زيد العمي ، عن أبي إياس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أنس بن مالك "إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" .