الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا، فقال:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 295 ] مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين  قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين  قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون  

                                                                                                                                                                                                                                      مثل الذين حملوا التوراة كلفوا القيام بها، والعمل بما فيها، ثم لم يحملوها أي: حق حملها من أداء حقها، والعمل بموجبها، كمثل الحمار يحمل أسفارا جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبه اليهود؛ إذ لم ينتفعوا بما في التوراة، وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، بالحمار يحمل كتب العلم، ولا يدري ما فيها، وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل به، ولهذا قال ميمون بن مهران : يا أهل القرآن، اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم، ثم تلا هذه الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله
                                                                                                                                                                                                                                       ذم لمثلهم، والمراد به ذمهم، واليهود كذبوا بالقرآن وبالتوراة، حين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      "والله لا يهدي" مفسر في سورة البقرة إلى قوله: وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين أي: ما كانوا قبل بعثه فيهم، إلا في ضلال مبين وهو الشرك، وكانوا يعبدون الأوثان من الحجارة وآخرين وبعث في آخرين يعني: الأعاجم، ومن لم يتكلم بلغة العرب، والنبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى من شاهده، وإلى كل من كان بعدهم من العرب، والعجم، وقوله: "منهم" لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، والمسلمون كلهم يد واحدة، وأمة واحدة، وإن اختلفت أجناسهم،  كما قال الله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ومن لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنهم ليسوا ممن عناهم الله بقوله: وآخرين منهم وإن كان مبعوثا إليهم بالدعوة؛ لأنه قال: ويزكيهم ويعلمهم ، ومن لم يؤمن فإنه ليس ممن زكاه، وعلمه القرآن والسنة، وقوله: لما يلحقوا بهم أي: في الفضل والسابقة؛ لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة.

                                                                                                                                                                                                                                      ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يعني: الإسلام.

                                                                                                                                                                                                                                      والله لا يهدي القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء، يعني: من سبق في علمه أنه لا يهديهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم الآية والتي بعدها سبق تفسيرها في سورة البقرة.

                                                                                                                                                                                                                                      قل يا محمد لليهود: [ ص: 296 ] إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم وذلك أن اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فكانوا يكرهون الموت أشد الكراهة، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إنكم وإن فررتم من الموت وكرهتموه، فإنه لا بد ينزل بكم ويلقاكم، ثم تردون بعد الموت إلى عالم الغيب والشهادة، ما غاب عن العباد وما شهدوه.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية