الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: [ ص: 339 ] يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون  خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون  فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون  وأملي لهم إن كيدي متين  أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون  أم عندهم الغيب فهم يكتبون  

                                                                                                                                                                                                                                      يوم يكشف عن ساق يوم ظرف لقوله: فليأتوا أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم لتنفعهم، وتشفع لهم، قال المفسرون: في قوله: عن ساق أي: عن شدة من الأمر. قال مجاهد ، عن ابن عباس ، قال: هو أشد ساعة في يوم القيامة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الأصفهاني ، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، نا أبو يحيى الرازي ، نا سهل بن عثمان ، نا ابن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن عكرمة ، قال: سئل ابن عباس عن قوله: يوم يكشف عن ساق فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:


                                                                                                                                                                                                                                      وقامت الحرب بنا على ساق



                                                                                                                                                                                                                                      هو يوم كرب وشدة.
                                                                                                                                                                                                                                       

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب ، نا يحيى بن أبي طالب ، أنا حماد بن مسعدة ، أنا عمر بن أبي زائدة ، قال: سمعت عكرمة سئل عن قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق قال: إذا اشتد الأمر في الحرب، قيل: كشفت الحرب عن ساق. أخبرهم الله تعالى عن شدة ذلك اليوم، وقال ابن قتيبة : أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدة، وأنشد لدريد بن الصمة قوله:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 340 ]

                                                                                                                                                                                                                                      كميش الإزار خارج نصف ساقه     صبور على الضراء طلاع أنجد



                                                                                                                                                                                                                                      وتأويل الآية: يوم يشتد الأمر، كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن الساق، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون، يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الربيع بن أنس : يكشف عن الغطاء، فيقع من كان آمن به في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا به في الدنيا.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد ، أنا أبو علي الفقيه ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا هدبة ، نا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عمارة القرشي ، عن أبي بردة ، قال: وفدت إلى الوليد بن عبد الملك ، وكان الذي يعمل في حوائجي عمر بن عبد العزيز ، فلما قضيت حوائجي أتيته فودعته، وسلمت عليه، ثم مضيت، فذكرت حديثا حدثني به أبي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أحدثه به، لما أولاني من قضاء حوائجي، فرجعت إليه، فلما رآني، قال: لقد رد الشيخ حاجة، فلما قربت منه قال: ما ردك؟ أليس قد قضيت حوائجك؟ قلت: بلى، ولكن حديث سمعته من أبي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا لما نره، فيقال لهم: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبه له، فيكشف لهم عن الحجاب، فينظرون إلى وجه الله عز وجل، فيخرون له سجدا، ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر يريدون السجود، فلا يستطيعون وذلك قوله عز وجل يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون فيقول الله عز وجل: عبادي ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل [ ص: 341 ] رجل منكم من اليهود والنصارى في النار"،  فقال عمر بن عبد العزيز : الله الذي لا إله إلا هو ليحدثك أبوك بهذا الحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحلفت له ثلاثة أيمان على ذلك، فقال عمر : ما سمعت في أهل التوحيد، حديثا هو أحب إلي من هذا، رواه أبو العباس السراج في تاريخه عن أبي يحيى البزاز ، عن عفان بن مسلم ، عن حماد بن سلمة قوله: خاشعة أبصارهم يعني: حين أيقنوا بالعذاب، وعاينوا النار، ترهقهم ذلة يغشاهم ذل الندامة والحسرة، وقد كانوا يدعون إلى السجود يعني: بالأذان في دار الدنيا والإقامة، ويؤمرون بالصلاة المكتوبة، وهم سالمون معافون، ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد، قال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حي على الفلاح، فلا يجيبون. وفي هذا وعيد لمن قعد عن الصلاة في الجماعة.  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث يقول: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن. قال الزجاج : معناه: لا تشغل قلبك به، كله إلي فإني أكفيك أمره.

                                                                                                                                                                                                                                      سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وهذا مفسر في سورة الأعراف مع الآية التي بعدها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: أم تسألهم أجرا مفسر مع الآية التي بعدها في سورة الطور.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية