قوله: ولا يأب كاتب أن يكتب أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يأباه، إذا امتنع عنه.
قال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذا أمر; لأن الله تعالى أمره أن لا يأبى.
وقال كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: الضحاك: ولا يضار كاتب ولا شهيد .
وقوله: كما علمه الله فليكتب أي: لا يأب أن يكتب كما أمره الله عز وجل من العدل.
وقوله: وليملل الذي عليه الحق الإملال والإملاء: لغتان، قال أمللت: لغة الفراء: الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: فهي تملى عليه .
ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي; لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه.
وقوله: ولا يبخس منه شيئا البخس: النقصان، يقال: بخسه حقه.
أي: نقصه، أمر من عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا.
وقوله: فإن كان الذي عليه الحق سفيها قال جاهلا بالإملاء. مجاهد:
وقال والسدي: طفلا صغيرا. الضحاك
أو ضعيفا قال السدي وابن زيد: يعني: عاجزا أحمق.
أو لا يستطيع أن يمل لخرس أو عي أو جهل بما له وعليه، فليملل وليه أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعني: قيمه أو وارثه، أو من يقوم مقامه في حقه، بالعدل بالصدق والحق والإنصاف.
[ ص: 404 ] وقوله: واستشهدوا أي: أشهدوا، شهيدين من رجالكم من أهل ملتكم من الأحرار البالغين دون الصبيان والعبيد، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان قال الأخفش فليكن رجل وامرأتان. والفراء:
والإجماع: أن شهادة النساء جائزة في الأموال.
وقوله: ممن ترضون من الشهداء قال يريد: من أهل الفضل والدين. ابن عباس:
وقوله: أن تضل إحداهما أصل (الضلالة ) في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا غاب.
ومعنى أن تضل إحداهما : أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى هذا من التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة.
والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها.
ومن قرأ فتذكر من الإذكار، فهو بهذا المعنى أيضا، يقال: أذكره الشيء وذكره.
مثل: فرحه وأفرحه، وهو كثير.
وقرأ (إن تضل ) -بكسر الألف- فتذكر بالرفع- وجعل (إن ) للجزاء، و(تضل ) في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين كقوله: من يرتد، والفاء في قوله: حمزة فتذكر جواب الجزاء، كقوله: ومن عاد فينتقم الله منه .
[ ص: 405 ] قوله: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا هذا في وجب عليه ترك الإباء في قول تحمل الشهادة، وكل من دعي ليتحمل الشهادة قتادة والربيع.
وقال هذا إذا لم يوجد غيره، فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل الشهادة فهو مخير. الشعبي:
وقال آخرون: هذا في إقامة الشهادة.
قال في رواية ابن عباس يريد: إذا استودعته ثم احتجت إلى شهادته فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها. عطاء:
وهذا قول مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وعكرمة.
وقوله: ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله "السآمة": الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة.
يقول: لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر.
ذلكم أي: الكتاب، أقسط أعدل، عند الله لأن الله أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه، وأقوم للشهادة أي: أبلغ في الاستقامة; لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة.
قوله: وأدنى ألا ترتابوا أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله: إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه; لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد.
وقرأ عاصم تجارة حاضرة - بالنصب - على تقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، فأضمر الاسم لدلالة الخبر عليه، ومثله ما أنشد الفراء:
[ ص: 406 ] فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي: إذا كان اليوم يوما.وقوله وأشهدوا إذا تبايعتم ذكرنا أن هذا أمر ندب، وليس بواجب.
وقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة وابن زيد، وعلى هذا أصله: يضارر.
قال هو أن يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد. ابن عباس:
وقال هو أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان. عكرمة:
وقيل: هو أن يدعى الكاتب ليكتب الباطل، ويدعى الشاهد ليشهد الزور.
فعلى هذه الأقوال أصله: لا يضارر.
وإن تفعلوا يعني ما ذكر الله من المضارة، فإنه فسوق بكم أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به.
قوله: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال، وهو قوله: فرهان مقبوضة أي: فالوثيقة رهان، وهو جمع رهن، مثل: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
[ ص: 407 ] وقرأ أبو عمرو: (فرهن مقبوضة ) ، وهو أيضا جمع رهن، مثل سقف وسقف، وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
قوله: فإن أمن بعضكم بعضا أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه، فليؤد الذي اؤتمن أمانته "اؤتمن": افتعل، من الأمانة، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.
أمر الله تعالى المؤتمن بأداء الأمانة وتقوى الله فيما أمن فيه من الحق، وهو قوله: وليتق الله ربه .
قوله: ولا تكتموا الشهادة نهي لمن كانت عنده شهادة أن يكتمها ويمتنع من إقامتها، ثم أوعد على ذلك فقال: ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قال يريد: قد أثم قلبه وفجر. ابن عباس:
قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب.
ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك.