إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
قوله: إن الذين كفروا قال يعني ابن عباس: قريظة والنضير.
لن تغني عنهم أموالهم لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، ولا أولادهم من الله قال من عذاب الله. الكلبي:
شيئا وأولئك هم وقود النار أي: هم الذين توقد بهم النار.
كدأب آل فرعون قال ابن عباس ومجاهد كفعل آل والسدي: فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، و "الدأب" معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، والذين من قبلهم يعني كفار الأمم الخالية، كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب .
قل للذين كفروا قال يعني يهود ابن عباس: المدينة، وقال يعني مشركي مقاتل: مكة.
ستغلبون ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: وتحشرون إلى جهنم وعيد لهم بالنار.
[ ص: 417 ] وقرئ بالتاء والياء، قال يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم. الفراء:
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: وبئس المهاد قال بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم. ابن عباس:
قوله: قد كان لكم آية يخاطب الذين ذكرهم في قوله: قل للذين كفروا وأراد بـ "الآية": علامة تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.
في فئتين يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، التقتا اجتمعتا، فئة تقاتل في سبيل الله وهم المؤمنون، وأخرى كافرة يعني المشركين، يرونهم ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: رأي العين يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
والله يؤيد يقوي، بنصره من يشاء يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، إن في ذلك أي:
[ ص: 418 ] فيما فعل من نصرة المؤمنين، لعبرة "العبرة": الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب; لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: لأولي الأبصار أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر. أي: علم ومعرفة.