الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم.

                                                                                                                                                                                                                                      إذا السماء انشقت  وأذنت لربها وحقت  وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه  فأما من أوتي كتابه بيمينه  فسوف يحاسب حسابا يسيرا  وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  فسوف يدعو ثبورا  ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور  بلى إن ربه كان به بصيرا  

                                                                                                                                                                                                                                      إذا السماء انشقت قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة  ، وذكر ذلك في مواضع من القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق. من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا الأرض مدت قال ابن عباس : تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها. وقال مقاتل : سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها.

                                                                                                                                                                                                                                      وألقت ما فيها من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل [ ص: 452 ] على صحة هذا المحذوف قوله: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر. قال قتادة ، والكلبي ، والضحاك : عامل لربك عملا. فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال مقاتل : لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها   . وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي ، أنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري ، نا جعفر بن محمد بن شاكر ، نا قبيصة ، نا سفيان الثوري ، عن عثمان بن الأسود ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نوقش الحساب هلك،  قلت: يا رسول الله، فإن الله عز وجل يقول في كتابه: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال: ذاك العرض"، رواه البخاري ، عن عمرو بن علي ، ورواه مسلم ، عن عبد الرحمن بن بشر كلاهما، عن يحيى بن سعيد ، عن عثمان بن الأسود.

                                                                                                                                                                                                                                      وأخبرنا أبو عبد الله ، أنا أبو عمرو محمد بن جعفر المؤذن ، نا أحمد بن داود السمناني ، نا العباس بن الوليد النرسي ، نا عبد الجبار بن الورد ، قال: سمعت ابن أبي مليكة ، يقول: قالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل من حوسب يومئذ فقد هلك، فقلت: يا رسول الله إن الله تعالى، يقول: يحاسب حسابا يسيرا قال: ذاك العرض يا عائشة ، فأما كل من نوقش الحساب يومئذ فقد هلك   ".

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 453 ]

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر المزكي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا الحسين بن محمد بن مصعب ، نا يحيى بن حكيم ، نا حرمي ، نا الحريش بن الخريت ، حدثني ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رافعة يدي وأنا أقول: اللهم حاسبني حسابا يسيرا، قال:يا عائشة أتدرين ما ذاك الحساب اليسير؟  فقلت: ذكر الله في كتابه فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال: " يا عائشة من حوسب خصم ذلك الممر بين يدي الله عز وجل" .

                                                                                                                                                                                                                                      حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج إملاء، أنا أبو علي حامد بن محمد الهروي ، نا أبو المثنى ، نا سعيد بن سليمان ، نا سليمان بن داود اليمامي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا، وأدخله الجنة برحمته،  قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي يا رسول الله؟ قال: أن تحاسب حسابا يسيرا، ويدخلك الله الجنة برحمته" رواه الحاكم في صحيحه، عن محمد بن أحمد بن بالويه ، عن محمد بن شاذان الجوهري ، عن سعيد بن سليمان .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وينقلب إلى أهله يعني: في الجنة من الحور العين  والآدميات، مسرورا بما أوتي من الخير والكرامة.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما من أوتي كتابه وراء ظهره خلف ظهره، قال الكلبي : لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره. وقال مقاتل : تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه، كقوله: دعوا هنالك ثبورا .

                                                                                                                                                                                                                                      ويصلى سعيرا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ [ ص: 454 ] ويصلى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثم الجحيم صلوه .

                                                                                                                                                                                                                                      إنه كان في أهله يعني: في الدنيا، مسرورا باتباع هواه، وركوب شهوته.

                                                                                                                                                                                                                                      إنه ظن أن لن يحور لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل : حسب أن لا يرجع إلى الله. والحور الرجوع. قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إن ربه كان به بصيرا بصيرا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج : كان به بصيرا قبل أن يخلقه، عالما بأن مرجعه إليه.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية