ثم ذكر نصيب الإناث من الأولاد فقال : فإن كن يعني الأولاد ، نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وأجمعت الأمة على أن : للبنتين الثلثين إلا ما روي عن أنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال : الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن الله تعالى قال : ابن عباس : فإن كن نساء فوق اثنتين ، فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين وهذا غير مأخوذ به .
[ ص: 20 ] ووجه الآية ، أن فوق هاهنا : صلة لا معنى له ، كقوله فاضربوا فوق الأعناق ، يريد : فاضربوا الأعناق .
وسمى البنتين جماعة ؛ لأن الاثنين جماعة عند العرب ، والله تعالى يقول : فقد صغت قلوبكما ، وقال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، فسمى التثنية باسم الجمع ، فثبت بهذا البيان أن ثلثي التركة للبنتين ، وأن نصفها للواحدة ، وهو قوله وإن كانت واحدة فلها النصف .
وقرأ نافع واحدة - بالرفع - على معنى : وإن وقعت واحدة ، وتم بيان ميراث الأولاد .
ثم ذكر ميراث الوالدين فقال : ولأبويه يعني : أبوي الميت ، ولم يجر له ذكر فكنى عن غير مذكور ، لكل واحد منهما من الأبوين السدس مما ترك إن كان له للميت ولد ، أو ولد ابن ، واسم "الولد " يقع على ما ولد الابن ، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث إذا مات ولم يخلف غير أبويه كان ثلث المال للأم ، والباقي للأب .
وقرأ - بكسر الهمزة - إذا وليتها كسرة أو ياء نحو : فلإمه ، أو بيوت إمهاتكم وفي إمها أتبع الهمزة ما قبلها من الياء والكسرة . حمزة
قال إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله فلأمه وليس من كلام العرب مثل : فعل - بكسر الفاء وضم العين- . أبو إسحاق الزجاج :
فإن كان للميت أخوان عاد نصيب الأم من الثلث إلى السدس ، وهو قوله : فإن كان له إخوة فلأمه السدس .
وأجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، والأخ الواحد لا يحجب .
[ ص: 21 ] يخالف في هذه المسألة وهي ما . وابن عباس
أخبرناه أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر ، أخبرنا شعيب بن محمد ، أخبرنا حدثنا مكي بن عبدان ، أبو الأزهري ، حدثنا حدثنا روح ، قال : حدثت ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي ذئب ، عن شعبة ، ، أنه دخل على ابن عباس فقال : إن عثمان بن عفان إنما قال الله تعالى : الأخوين لا يردان الأم إلى السدس ، فإن كان له إخوة فلأمه السدس والأخوان في لسان قومك وكلام العرب ليسا بإخوة ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس وجرى في الأمصار قال العلماء : هذا غلط من لأن الاثنين يسميان بالجمع في كثير من الكلام حكى ابن عباس سيبويه : أن العرب تقول : قد وضعا رحالهما ، يريدون : رحلي راحلتيهما .
وقال التثنية عند العرب أول الجمع ، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية ، ومن ذلك قوله تعالى : ابن الأنباري : وكنا لحكمهم شاهدين ، يعني حكم داود وسليمان عليهما السلام .
[ ص: 22 ] قوله : من بعد وصية يوصي بها أو دين أي : هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه .
وقرئ : يوصى بفتح الصاد وكسرها ، فمن كسر فلأن المعنى من بعد وصية يوصيها الميت ، ومن فتح الصاد : فإنه يؤول في المعنى إلى يوصى ، ألا ترى أن الموصي هو الميت .
وقوله : آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا أي : إنكم لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق ، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمه منه ، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فأفسدتم وضيعتم ، وهذا معنى قوله : فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما .
قال : كان عليما بخلقه قبل أن يخلقهم ، حكيما حيث فرض للصغار مع الكبار . عطاء
أخبرنا أبو منصور المنصوري ، حدثنا علي بن عمر بن مهدي ، حدثنا الحسين بن إسماعيل ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عمرو بن حمران ، عن عوف ، عن سليمان بن جابر الهجري ، قال : قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : عبد الله بن مسعود : "تعلموا القرآن وعلموه الناس ، وتعلموا العلم وعلموه الناس ، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن ، حتى يختلف اثنان في الفريضة ، ولا يجدان من يفصل بينهما " .
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم النصرأباذي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي بجرجان ، أخبرنا حدثنا [ ص: 23 ] محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حفص بن أبي العطاف ، حدثني عن أبو الزناد ، عن الأعرج ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبي هريرة ، "تعلموا الفرض وعلموه الناس ، فإنه نصف العلم وهو ينسى ، وهو أول شيء ينزع من أمتي" .
ثم بين الله تعالى ميراث الأزواج فقال : ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد وهو قوله : كل امرأة ماتت ولا ولد لها كان لزوجها نصف ميراثها ، فإن كان لها ولد كان للزوج الربع فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين يعين : أن الميراث إنما يستحق بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين .
وقوله : ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد يعني : للمرأة ربع المال إذا لم يكن للزوج ولد ، فإن كان للزوج ولد كان للمرأة الثمن ، وهو قوله : فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين إلى هاهنا بيان ميراث الأزواج والزوجات .
ثم بين ميراث ولد الأم فقال : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته ، وكل وارث ليس بوالد للميت فهو كلالة مورثه .
فالكلالة : اسم يقع على الوارث والموروث ، إذا كانا بالصفة التي ذكرنا .
يقال : رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا تثنى ولا تجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة .
يقال : كل الرجل يكل كلالة ، أي : صار كلا ، وهو الذي لا ولد له ولا والد ، والمراد بـ "الكلالة " في هذه الآية : الأخ للأم إذا مات .
[ ص: 24 ] قوله : وله أخ أو أخت يعني : من الأم بإجماع المفسرين ، وكذلك في قراءة وله أخ أو أخت من أمه . سعد بن أبي وقاص
فلكل واحد منهما السدس قال في رواية ابن عباس وله أخ أو أخت من أمه فلكل واحد منهما السدس ، وفرض الواحد من ولد الأم السدس ، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث ، الذكر والأنثى فيه سواء ، وهو قوله : عطاء : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار أي : غير مدخل الضرر على الورثة ، وهو أن يوصي بدين ليس عليه ، يريد بذلك ضرر الورثة ، فمنع الله منه .
وقوله : وصية من الله قال فريضة من الله ، والله عليم بما دبر من هذه الفرائض حليم عمن عصاه بأن أخر عقوبته وقبل توبته . ابن عباس :
قوله جل جلاله : تلك حدود الله قال يريد ما حد الله من فرائضه في الميراث ، ابن عباس : ومن يطع الله ورسوله في شأن المواريث ، يدخله جنات وقرأ نافع بالنون والمعنى فيه كالمعنى بالياء .
ومن يعص الله ورسوله قال مجاهد : فيما افترض من المواريث ، وقال عن عكرمة : من لم يرض بقسم الله ، ويتعد ما قال الله يدخله نارا خالدا فيها ، ابن عباس وله عذاب مهين .