قوله جل جلاله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الآية نزلت في حين قتل [ ص: 94 ] عياش بن أبي ربيعة الحارث بن زيد ، ظنه كافرا ، ولم يشعر بإسلامه فقتله .
قال : قتادة وما كان لمؤمن أي : ما كان له ذلك فيما أتاه الله من ربه وأمر به .
وقوله إلا خطأ جميع أهل النحو والمعاني : على أن هذا استثناء منقطع من الأول ، على معنى : ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطئ المؤمن ، فكفارة خطئه ما ذكر من بعد ، وصفة قتل الخطأ : هو أن يرمي إلى عرض أو إلى صيد فيخطئ فيصيب إنسانا فيقتله ، وكذلك لو قتل رجلا ظنه كافرا ، كما ظن وكان مسلما ، كان قتل خطأ . عياش بن أبي ربيعة
والواجب فيه الدية والكفارة ، وهو قوله : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة قال المفسرون : هي المصلية المدركة عند عامة الفقهاء ، يجوز وإن كانت صغيرة إذا كانا أبواها مسلمين أو أحدهما .
وقوله : ودية مسلمة إلى أهله يعني : جميع ورثته .
وصفة أن تكون مخففة ، مائة من الإبل : عشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة . الدية في قتل الخطأ :
وظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تكون الدية في [ ص: 95 ] الخطأ على العاقلة وهم الإخوة وبنو الإخوة والأعمام وبنو الأعمام .
وقوله : إلا أن يصدقوا أصله : يتصدقوا ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى التصدق : الإعطاء ، والمعنى : إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية فتسقط .
وقوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة يعني : إن كان المقتول خطأ مؤمنا وقومه كفار ، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة ، وليس فيه دية ؛ لأن ورثته كفار فلا يرثونه .
وقوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة هذا في الذمي الذي يقتل خطأ ، فيجب فيه الدية والكفارة .
قال : هذا الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد ، فتسلم إليهم دية ويعتق الذي أصابه رقبة . ابن عباس
وقوله : فمن لم يجد يعني : الرقبة أو ثمنها ، فصيام شهرين متتابعين أي : فعليه ذلك بدلا عن الرقبة ، والتتابع واجب ، حتى لو أفطر يوما استأنف .
وقوله : توبة من الله أي : اعملوا بما أوجبه للتوبة من الله ، أي : ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم .
قوله عز وجل : ومن يقتل مؤمنا متعمدا صورة القتل العمد : أن يقصد القتل بالسيف أو غيره من الآلات التي بها يقصد القتل غالبا ، جرح أو لم يجرح ، كالحجر الثقيل ، والحديد الثقيل ، وكذلك التخنيق والتغريق والتحريق ، وما أشبهها .
والآية نزلت في كافر قتل مؤمنا وهو أن مقيس ابن صبابة كان قد أسلم هو وأخوه هشام ، فقتل بنو النجار أخاه [ ص: 96 ] هشاما خطأ ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيسا ومعه زهير بن عياض الفهري ، وكان من المهاجرين من أهل بدر ، إلى بني النجار ليدفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علموه ، أو يجمعوا له دية أخيه إن لم يعلموا القاتل ، فجمعوا لمقيس دية أخيه ، فلما صارت إليه وثب على زهير فقتله وارتد إلى الشرك ، وقال في ذلك أبياتا منها :
فأدركت ثأري واضطجعت مؤسرا وكنت إلى الأوثان أول راجع
وقوله : فجزاؤه جهنم خالدا فيها إلى آخر الآية ، وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا حرم الله به قتله ، وحظر به سفك دمه ، وقد وردت في قتل المؤمن أخبار شداد .أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا عبيدة ، عن عن عمار الدهني ، قال : سالم بن أبي الجعد ، فسأله رجل فقال : رجل قتل مؤمنا متعمدا ، فقال ابن عباس : جزاؤه جهنم خالدا فيها إلى آخر الآية ، قال : فإن تاب وآمن وعمل صالحا ، فقال ابن عباس : وأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : "ويح له قاتل المؤمن ، يجيء يوم القيامة حامل رأسه بيمينه أو بيساره ، وفي يده الأخرى قاتله ، يقول : يا رب هذا قتلني ، فوالذي نفسي بيده لقد نزلت على نبيكم فما نسخت حتى قبض ، يعني : هذه الآية ابن عباس ومن يقتل مؤمنا متعمدا كنت عند [ ص: 97 ] .
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا يحيى بن ساسويه ، حدثنا أخبرنا سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، سالم التيمي ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة " .
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، أخبرنا حدثنا [ ص: 98 ] الحكم بن موسى ، محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عن إبراهيم بن المهاجر ، إسماعيل مولى عبد الله بن عمرو ، عن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عبد الله بن عمرو ، "والذي نفسي بيده لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " ومذهب أهل السنة : أن قاتل المؤمن عمدا له توبة أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى ، أخبرنا أبو عمرو بن نجيد ، أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنا عند هشام بن حسان ، فقال له رجل من القوم : محمد بن سيرين ، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم حتى ختم الآية ، فقال محمد : أين أنت من هذه الآية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
أخبرنا أبو بكر التميمي ، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ ، أخبرنا العباس بن حمدان ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الشهيدي ، قال : سمعت قريش بن أنس يقول :
[ ص: 99 ] كنت عند فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالي ، فيقول : قلت : إن القاتل في النار ؟ فأقول : أنت قلت ، ثم تلا هذه الآية : عمرو بن عبيد ، ومن يقتل مؤمنا متعمدا حتى فرغ منها ، فقلت وما في البيت أصغر مني : أرأيت إن قال لك : فإني قلت : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال : فما استطاع أن يرد علي شيئا .
وأما ما روي عن وغيره من السلف ، أنهم قالوا : لا توبة للقاتل فإن الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ ، سيما في القتل ، يدل على ذلك ما روي : أن ابن عباس سفيان سئل عن عقوبة القاتل ، قال : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وإذا ابتلي الرجل قالوا له : تب .
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المروزي ، فيما أذن لي روايته عنه ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين ، أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا حدثنا أبو داود الحفري ، سفيان ، عن أبي سعيد ، عن عن عطاء ، ، ابن عباس أن رجلا سأله : ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال : لا ، وسأله آخر : ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال : نعم ، فقيل له : قلت لذلك : لا توبة لك ، ولذلك : لك توبة ، قال : جاءني ذلك ولم يكن قتل ، فقلت : لا توبة لك لكي لا يقتل ، وجاءني هذا وقد قتل ، فقلت : لك توبة لكي لا يلقي بيده إلى التهلكة فأما تأويل قوله تعالى : (فجزاؤه جهنم ) ، فقد روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "هو جزاؤه إن جازاه " .
[ ص: 100 ] وروى عن عاصم بن أبي النجود ، في قوله : فجزاؤه جهنم قال : هي جزاؤه ، فإن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . ابن عباس
وبهذا قال عون بن عبد الله ، وبكر بن عبد الله ، وقد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا . وأبو صالح :
والأصل في هذا : أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد ، وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد ، بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما :
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأصبهاني ، أخبرنا عبد الله بن محمد الأصبهاني ، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي ، وأبو حفص السلمي ، قالوا : حدثنا وأبو يعلى الموصلي ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا سهيل بن أبي حزم ، عن ثابت البناني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنس بن مالك ، "من وعده الله على عمله ثوابا فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار " أخبرنا أبو بكر ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا حدثنا محمد بن حمزة ، أحمد بن الخليل ، حدثنا قال : جاء الأصمعي ، إلى عمرو بن عبيد فقال : يا أبا عمرو ، يخلف الله ما وعد ؟ قال : لا . أبي عمرو بن العلاء ،
قال :
[ ص: 101 ] أفرأيت من أوعده الله على عمل عقابا ، أيخلف الله وعده فيه ؟ فقال من العجمة أتيت يا أبا عثمان ؟ إن الوعد غير الوعيد ، إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله ، ترى ذلك كرما وفضلا ، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله . أبو عمرو بن العلاء :
قال : فأوجدني هذا في العرب .
قال : أما سمعت قول الأول :
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
إذا وعد السر أنجز وعده وإن أوعد الشر فالعفو مانعه