الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما  واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما  ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما  يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا  ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا  ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما  ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما  ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق نزلت في رجل يقال له طعمة بن أبيرق ، سرق درعا [ ص: 112 ] فاستودعها يهوديا ، فوجدت عنده ، فقال : استودعنيها طعمة بن أبيرق ، فأنكر وقال : إنما سرقها اليهودي ، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان هوى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طعمة ، فنزل قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب  القرآن ، بالحق : لا بالتعدي في الحكم ، لتحكم بين الناس بما أراك الله بما علمك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما الخصيم : الذي يخاصمك .

                                                                                                                                                                                                                                      أي : لا تكن مخاصما ، ولا دافعا عن خائن ، يعني : طعمة وقومه .

                                                                                                                                                                                                                                      واستغفر الله : قال السدي : مما أردت من الجدال عن طعمة ، وقال ابن عباس : من همك بقطع اليهودي .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم يعني : طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق .

                                                                                                                                                                                                                                      والاختيان كالخيانة ، يقال : خانه واختانه ، وقد ذكرنا ذلك عند قوله : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى يختانون أنفسهم : يخونونها بالمعصية ، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين ،  ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جادل عن طعمة على غير بصيرة فعاتبه الله بهذا ، وأمره بالاستغفار ، ونهاه عن المعاودة إلى مثله .

                                                                                                                                                                                                                                      فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم ثم يستجيز معاونته ؟ وقوله : إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما أي : خائنا فاجرا ، وذلك أن طعمة خان في الدرع ، وأثم في رميه اليهودي .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : يستخفون من الناس الاستخفاء : الاستتار ، يقال : استخفيت من فلان .

                                                                                                                                                                                                                                      أي : تواريت منه ، قال الله تعالى ومن هو مستخف بالليل أي : مستتر ، والمعنى : يستترون من الناس ، يعني : طعمة وقومه كيلا يطلعوا على كذبهم وخيانتهم ، ولا يستخفون : ولا يستترون من الله وهو معهم أي : عالم بما يخفون وما [ ص: 113 ] يعلنون ، إذ يبيتون : يهيئون ويقدرون ما لا يرضى ما لا يرضاه الله من القول : وهو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع ، وأحلف أني لم أسرقها ، فتقبل يميني ، لأني على دينهم ولا تقبل يمين اليهودي .

                                                                                                                                                                                                                                      وكان الله بما يعملون محيطا أحاط بسرائرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم خاطب قوم طعمة ، فقال : ها أنتم هؤلاء جادلتم خاصمتم عنهم : عن طعمة وقومه ، يعني : جماعة من الأنصار من قرابة طعمة جادلوا عنه عن قومه ، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أي : لا أحد يفعل ذلك أم من يكون عليهم وكيلا أي : لا يكون عليهم يوم القيامة وكيل يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم عرض التوبة على طعمة بقوله : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي بن عبدش ، أخبرنا الحسين بن علي الدارمي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن نصر بن سندويه ، حدثنا إبراهيم بن راشد ، حدثنا داوود بن مهران ، حدثني عمر بن يزيد الفأفاء ، عن أبي إسحاق ، عن عبد خير ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : رأيته على المنبر يعني عليا وهو يقول : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو الصدوق يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضأ فأحسن الوضوء ، ثم قام يصلي فاستغفر الله إلا كان حقا على الله أن يغفر له " .

                                                                                                                                                                                                                                      ينادي على المنبر : صدق أبو بكر ، صدق أبو بكر ، ذلك بأن الله قال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
                                                                                                                                                                                                                                       
                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه أي : إنما ضر بما فعل نفسه ؛ لأنه لا يؤخذ غير الآثم [ ص: 114 ] بإثمه ، وكان الله عليما بالسارق ، حكيما : حكم بالقطع على طعمة في السرقة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : ومن يكسب خطيئة قال الكلبي : لما نزلت هذه الآيات عرف قوم طعمة أنه الظالم فأقبلوا عليه ، وقالوا : بؤ بالذنب ، واتق الله ، فقال : لا والذي يحلف به ما سرقها إلا اليهودي ، فأنزل الله تعالى : ومن يكسب خطيئة ، يقول : بيمينه الكاذبة ، أو إثما : يعني سرقه الدرع ورميه بها اليهودي ، فقد احتمل بهتانا برميه اليهودي البريء ، وإثما مبينا يعني : يمينه الكاذبة .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية