يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما
[ ص: 133 ] قوله جل جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين قال المفسرون : نهى الله المؤمنين أن يوالوا اليهود من قريظة والنضير ، وأوعدهم على ذلك بقوله : أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا حجة بينة في عقابكم بموالاة الكفار ؟ أي : إنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في عقابكم .
قوله عز وجل : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار قال : في أسفل النار . ابن عباس
قال ، الأخفش جهنم أدراك ، أي : منازل ، وكل منزل منها درك . وأبو عبيدة :
وقال الدرج : إذا كان بعضها فوق بعض ، والدرك : إذا كان بعضها أسفل من بعض . الضحاك :
وقرئ الدرك بفتح الراء وجزمه وهما لغتان .
قال : الاختيار فتح الراء لأنه أكثر في الاستعمال . الزجاج
وقوله : ولن تجد لهم نصيرا أي : مانعا يمنعهم من عذاب الله ، من جهة شافعة أو غير ذلك .
إلا الذين تابوا من النفاق ، وأصلحوا : العمل لله ، واعتصموا بالله : وثقوا به والتجأوا إليه ، وأخلصوا دينهم لله من شائب الرياء .
قال رضي الله عنه : علي بن أبي طالب
وأبعدهم من الإنابة إليه لأنه شرط عليهم في التوبة : الإصلاح والاعتصام ، ولم يشرط ذلك على غيرهم ثم شرط الإخلاص لأن النفاق ذنب القلب ، والإخلاص توبة القلب .
ثم قال : فأولئك مع المؤمنين ولم يقل : فأولئك المؤمنون . المنافقون شر من كفر بالله وأولاهم بمقته .
أو : من المؤمنين .
غيظا عليهم .
ثم أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم ، فقال : وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما .
قوله جل جلاله : ما يفعل الله بعذابكم الآية : ما استفهام معناه التقرير ، أي : إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن .
[ ص: 134 ] قال في رواية ابن عباس : ما يريد الله بعذاب خلقه . عطاء
إن شكرتم اعترفتم بإحسانه ، وآمنتم : بنبيه ، وهذا على التقديم والتأخير ، أي : إن آمنتم وشكرتم لأن الإيمان يقدم على سائر الطاعات ، ولا تنفع طاعة دون الإيمان .
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرنا حدثنا مسلم ، هداب بن خالد ، حدثنا همام ، حدثنا حدثنا قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : معاذ بن جبل ، كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل ، فقال : "يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم سار ساعة ، ثم قال : يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ألا يعذبهم" .
وقال في هذه الآية : إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا . قتادة
وكان الله شاكرا شاكرا للقليل من أعمالكم ، عليما : بنياتكم .