الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا  إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا  إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما  ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما  

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 133 ] قوله جل جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين قال المفسرون : نهى الله المؤمنين أن يوالوا اليهود من قريظة والنضير ، وأوعدهم على ذلك بقوله : أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا حجة بينة في عقابكم بموالاة الكفار ؟ أي : إنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في عقابكم .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار قال ابن عباس : في أسفل النار .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الأخفش ، وأبو عبيدة : جهنم أدراك ، أي : منازل ، وكل منزل منها درك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الضحاك : الدرج : إذا كان بعضها فوق بعض ، والدرك : إذا كان بعضها أسفل من بعض .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ الدرك بفتح الراء وجزمه وهما لغتان .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : الاختيار فتح الراء لأنه أكثر في الاستعمال .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ولن تجد لهم نصيرا أي : مانعا يمنعهم من عذاب الله ، من جهة شافعة أو غير ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      إلا الذين تابوا من النفاق ، وأصلحوا : العمل لله ، واعتصموا بالله : وثقوا به والتجأوا إليه ، وأخلصوا دينهم لله من شائب الرياء .

                                                                                                                                                                                                                                      قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : المنافقون شر من كفر بالله وأولاهم بمقته .

                                                                                                                                                                                                                                      وأبعدهم من الإنابة إليه لأنه شرط عليهم في التوبة : الإصلاح والاعتصام ، ولم يشرط ذلك على غيرهم ثم شرط الإخلاص لأن النفاق ذنب القلب ، والإخلاص توبة القلب .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم قال : فأولئك مع المؤمنين
                                                                                                                                                                                                                                       ولم يقل : فأولئك المؤمنون .

                                                                                                                                                                                                                                      أو : من المؤمنين .

                                                                                                                                                                                                                                      غيظا عليهم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم ، فقال : وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : ما يفعل الله بعذابكم الآية : ما استفهام معناه التقرير ، أي : إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 134 ] قال ابن عباس في رواية عطاء : ما يريد الله بعذاب خلقه .

                                                                                                                                                                                                                                      إن شكرتم اعترفتم بإحسانه ، وآمنتم : بنبيه ، وهذا على التقديم والتأخير ، أي : إن آمنتم وشكرتم لأن الإيمان يقدم على سائر الطاعات ، ولا تنفع طاعة دون الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرنا مسلم ، حدثنا هداب بن خالد ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ، عن معاذ بن جبل ، قال : كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل ، فقال : "يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم سار ساعة ، ثم قال : يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ألا يعذبهم" .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة في هذه الآية : إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وكان الله شاكرا شاكرا للقليل من أعمالكم ، عليما : بنياتكم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية