الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا أبو أحمد بن عيسى ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القشيري ، حدثنا أبو الطاهر ، أخبرنا ابن وهب ، حدثني أبو هانئ ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي ، يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : فأنت من الأغنياء ، قال : فإن لي خادما .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : فأنت من الملوك .
                                                                                                                                                                                                                                       

                                                                                                                                                                                                                                      وروي أن الحسن تلا هذه الآية فقال : وهل الملك إلا مركب وخادم ودار ؟ وقوله : وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين قال مجاهد ، والكلبي : بأن ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وفلق لهم البحر ، وأنجاهم من عدوهم .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة قال قتادة : هي الشام كلها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عكرمة ، والسدي : هي أريط .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : دمشق وفلسطين .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى المقدسة : المطهرة ، وتلك الأرض طهرت من الشرك ، وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 173 ] وقوله التي كتب الله لكم قال ابن عباس ، والسدي : أمركم بدخولها ، وفرض عليكم دخولها ، ولا ترتدوا على أدباركم لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته فتنقلبوا خاسرين .

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين قال المفسرون : هم العمالقة فرقة من عاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأراد بالجبارين : الطوال الأقوياء العظام ، من قولهم : رجل جبار ، إذا كان طويلا عظيما ، تشبيها بالجبار من النخل ، وهو الذي فات الأيدي بطوله ، قال قتادة : كانت لهم أجسام وخلق عجب ليس لغيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبر الله تعالى أنهم أبوا على موسى دخول تلك القرية ، واعتلوا بأن فيها قوما جساما أقوياء لا يطيقونهم ، وأنهم لا يدخلونها حتى يخرج منها هؤلاء القوم ، فذلك قوله فإن يخرجوا منها فإنا داخلون .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : (قال رجلان ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : هم يوشع بن نون وكالب ، من الذين يخافون الله في مخالفة أمره أنعم الله عليهما بالإسلام ، قال عطاء : بالصلاح والفضل واليقين .

                                                                                                                                                                                                                                      ادخلوا عليهم الباب الآية : قال المفسرون : إنهما قالا لبني إسرائيل : نحن أعلم بالقوم ، إنهم قد ملؤوا منا رعبا ، إنا رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة وإنكم تغلبونهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وذلك قوله : فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا في نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مؤمنين مصدقين بما أتاكم به رسوله .

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها قال المفسرون : إن عشرة من النقباء نقضوا العهد ، وقالوا لبني إسرائيل : رأينا حصونا منيعة وجبابرة ، ولا يدان لكم بهم .

                                                                                                                                                                                                                                      فجبن القوم وخافوا ، ولم يثقوا بنصر الله ، وقالوا لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قال الحسن : هذا القول كفر منهم بالله .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 174 ] وقال المفسرون : إنما قالوا هذا جهلا منهم ، وفسقوا بذلك ؛ لأن الله تعالى سماهم فاسقين في هذه القصة ، وكذلك موسى سماهم فاسقين ، وهو قوله : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ، وقوله : فلا تأس على القوم الفاسقين .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أعلم الله أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأن الخلاف شأنهم .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد ، أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن أسد الهروي ، حدثنا حمدان بن عمر ، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، حدثنا الأشجعي عبيد الله ، عن سفيان ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب ، عن ابن مسعود ، قال : قال المقداد وهو على فرس يوم بدر : يا رسول الله إنا لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا أنا هاهنا قاعدون ، ولكن امض ونحن معك ، فكأنه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .  

                                                                                                                                                                                                                                      رواه البخاري ، عن حمدان بن عمر .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعد بن أبي رشيد العدل ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج إلى بدر استشار الناس ، فأشار عليه أبو بكر ، ثم استشارهم فأشار عليه عمر ، فسكت ، فقال رجل من الأنصار : إنما يريدكم ، قالوا : يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب [ ص: 175 ] أنت وربك فقاتلا أنا هاهنا قاعدون ، ولكن والله لو ضربت أكبادنا حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك قوله تعالى : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي  قال الكلبي : لما قالوا : اذهب أنت وربك . . . غضب موسى ، وكان رجلا حديدا ، فـ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي يقول : لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي ، والمعنى : لا أملك إلا طاعة نفسي وأخي .

                                                                                                                                                                                                                                      فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين فاقض واحكم بيننا وبين القوم العاصين .

                                                                                                                                                                                                                                      قال فإنها : فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم : ممنوعة منهم دخولها أربعين سنة : قال ابن عباس : حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التيه ، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد ، لا موسى ولا هارون إلا الرجلان اللذان قالا : ادخلوا عليهم الباب ، يوشع وكالب ، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : قال الله تعالى لموسى : إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : يتيهون في الأرض يقال : تاه يتيه توها وتيها إذا تحير ولم يهتد ، وأرض تيه ، وتيهاء ، ومتيهة : يتيه فيها الإنسان .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد والحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فلا تأس على القوم الفاسقين قال ابن عباس : يريد : لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 176 ]

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية