الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في [ ص: 180 ] الآخرة عذاب عظيم  إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون  إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم  يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية : نزلت في قصة العرنيين ، وهي ما .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله الشيباني ، أخبرنا إسماعيل بن نجيد ، أخبرنا أبو مسلم الكجي ، حدثنا عبد الرحمن بن حماد ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رهطا من عكل وعرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله أنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، فاستوخمنا المدينة ، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الزود ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فأتي بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرة حتى ماتوا على حالهم قال قتادة : ذكر لنا أن الآية نزلت فيهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      رواه مسلم ، عن ابن المثنى ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد ، إلى قوله قتادة [ ص: 181 ] ومعنى يحاربون الله ورسوله يعصونهما ولا يطيعونهما ، وكل من عصاك فهو حرب لك .

                                                                                                                                                                                                                                      ويسعون في الأرض فسادا أي : بالقتل والسرقة وأخذ الأموال ، فكل من أخذ السلاح على المسلمين فهو محارب لله ورسوله ، وإن كان في بلد كالمكابر في البلاد ، وهذا قول مالك ، والأوزاعي ، ومذهب الشافعي .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى : (أن يقتلوا ) إلى قوله : أو ينفوا من الأرض قال الوالبي ، عن ابن عباس : أو دخلت للتخيير ومعناها : الإباحة ، إن شاء الإمام قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء نفى .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول الحسن ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عباس في رواية عطية : أو ليست للإباحة ، إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية ، فمن قتل وأخذ المال صلب وقتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع ، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قتل ، ومن أخاف السبيل ولم يقتل نفي ، وهذا قول قتادة ، والسدي ، ومذهب الشافعي .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الشافعي : ويحد كل واحد بقدر فعله ، فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه ، ويصلب ثلاثا ثم ينزل ، ومن وجب عليه القتل دون الصلب قتل ، ودفع إلى أهله يدفنونه ، ومن وجب عليه القطع دون القتل قطعت يده اليمنى ثم حسمت ، ثم رجله اليسرى ، ثم حسمت ، وذلك معنى قوله : من خلاف .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : أو ينفوا من الأرض قال ابن عباس : هو أن يهدر الإمام دمه ، فيقول : من لقيه فليقتله ، هذا فيمن لم يقدر عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما المقبوض عليه فنفيه من الأرض بالحبس والسجن ؛ لأنه إذا سجن وضع من التقلب في البلاد فقد نفي منها .

                                                                                                                                                                                                                                      أنشد ابن قتيبة ، وابن الأنباري قول بعض المسجونين :


                                                                                                                                                                                                                                      خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا موتى [ ص: 182 ]     إذا جاءنا السجان يوما لحاجة
                                                                                                                                                                                                                                      عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله ذلك لهم خزي في الدنيا أي : فضيحة وهوان ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهذا للكفار الذين نزلت فيهم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم جرى حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين ، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين .

                                                                                                                                                                                                                                      والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له .  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم أكثر أهل التفسير : على أن المراد بهذا الاستثناء المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى ، ولا يطالب بشيء مما أصاب ، لا مال ولا دم ، وكذلك لو آمن من بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن من قبل القدرة عليه ،  فقال السدي : هو كالكافر إذا آمن لا يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه يرد إلى أهله .

                                                                                                                                                                                                                                      وبهذا حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حارثة بن بدر ، وكان قد خرج محاربا وذلك ما [ ص: 183 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا يحيى ، حدثنا خالد ، عن عامر ، قال : كان حارثة بن بدر التميمي أفسد في الأرض وحارب ، فأتى سعيد بن قيس فانطلق سعيد إلى علي رضي الله عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء من حارب وسعى في الأرض فسادا ؟ قال : أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ، قال : فإن تاب قبل أن يقدر عليه ، قال : تقبل توبته ، قال : فإنه حارث بن بدر فأتاه به فأمنه ، وكتب له كتابا  وقال الشافعي : يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله ، ولا تسقط حقوق بني آدم ما كان قصاصا أو مظلمة في مال .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي : اتقوا عقابه بطاعته ، وابتغوا : اطلبوا إليه الوسيلة : ومعنى الوسيلة : الوصلة والقربة من وسل إليه ، إذا تقرب إليه .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : وابتغوا إليه الوسيلة القربة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة .

                                                                                                                                                                                                                                      وجاهدوا في سبيله في طاعته لعلكم تفلحون كي تسعدوا وتبقوا في الجنة .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية