الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين  فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين  وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا : إن: دخلت هاهنا لغير شك؛ لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم كقولك: إن كنت إنسانا فافعل كذا، وأنت تعلم أنه إنسان، وإن كنت ابني فأطعني، فخاطبهم الله تعالى على عادة خطابهم فيما بينهم، وقيل: "إن" هاهنا بمعنى "إذا" قال أبو زيد : وتجيء "إن" بمعنى "إذا"، نحو قوله تعالى: وذروا ما بقي من [ ص: 101 ] الربا إن كنتم مؤمنين ، وقوله: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الأعشى :


                                                                                                                                                                                                                                      وسمعت حلفتها التي حلفت إن كان سمعك غير ذي وقر



                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فأتوا بسورة من مثله : "السورة": عرق من عروق الحائط، وتجمع: سور وسور، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سور البناء، ومنه قول النابغة:


                                                                                                                                                                                                                                      ألم تر أن الله أعطاك سورة     ترى كل ملك دونها يتذبذب



                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول أبي عبيدة وابن الأعرابي في تفسير السورة، فكل سورة من سور القرآن بمنزلة درجة عالية رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو الهيثم : السورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، وخص ذلك القدر بتسميته سورة؛ لأنه أقل قطعة وقع به التحدي، وعلى هذا القول: هي مأخوذة من سؤر الشراب، وهي بقيته وقطعة منه، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك الهمز.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 102 ] فإن قيل: ما الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة أخرى كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه. ومنها: أن تختص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد، ومنها: أن الإنسان قد يضعف عن حفظ الجميع، فيحفظ سورة تامة، فربما كان ذلك سببا يدعوه إلى حفظ غيرها.

                                                                                                                                                                                                                                      قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم في إثبات توحيده، احتج عليهم، أيضا، في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما قطع عذرهم فقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا أي: في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد ، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا؟ فأتوا بسورة من مثله أي: من مثل القرآن، كقوله: فليأتوا بحديث مثله ، وقوله: قل فأتوا بسورة مثله ، وقوله: لا يأتون بمثله كل ذلك يريد به مثل القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      فالمعنى: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وعما يكون دون تعلم الكتاب ودراسة الأخبار، ويجوز أن تعود الكناية في "مثله" إلى قوله "على عبدنا" وهو النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: فأتوا بسورة من رجل أمي لا يحسن الخط والكتابة، ولم يدرس الكتب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله "وادعوا شهداءكم" قال ابن عباس : يعني أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم، وسمى أعوانهم شهداء لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، والشهيد يكون بمعنى الشاهد كالجليس والشريب.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 103 ] وقوله "من دون الله" أي: من غير الله، يقال: ما دون الله مخلوق.

                                                                                                                                                                                                                                      يريد: وادعوا من اتخذتموهم معاونين من غير الله. "إن كنتم صادقين" في أن هذا الكتاب تقوله محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: "فإن لم تفعلوا" "إن" حرف الشرط والجزاء، كقولك: إن تضرب أضرب، ولم: حرف يجزم الفعل المضارع ويقع ما بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حروف الجزاء بمعنى الاستقبال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: "ولن تفعلوا" لن: حرف قائم بنفسه وضع لنفي الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب "إن"، ومعنى الآية "فإن لم تفعلوا" معارضته بمثل القرآن فيما مضى من الزمان، "ولن تفعلوا" أيضا فيما يستقبل، "فاتقوا النار" أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت عليهم الحجة في التوحيد وصدقمحمد عليه السلام بالآيات السابقة.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم وصف النار فقال: التي وقودها الناس والحجارة قال ابن السكيت : "الوقود" -بالضم-: المصدر، يقال: وقدت النار وقدا ووقودا، و"الوقود" بالفتح: اسم لما توقد به النار، يقال: ما أجود هذا الوقود للحطب، والحجارة: جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة، والقياس: أحجار، وجاء في التفسير عن ابن عباس وغيره: أن الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، وهي أشد لإيقاد النار. وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار؛ لأنها لا تأكل الحجارة إلا إذا كانت فظيعة.

                                                                                                                                                                                                                                      "أعدت" خلقت وهيئت، للكافرين لأنهم يخلدون فيها. ولما ذكر جزاء الكافرين بتكذيبهم ذكر جزاء المؤمنين بتصديقهم، فقال: "وبشر الذين آمنوا" التبشير: إيراد الخبر السار الذي يظهر أثر السرور في بشرة المخبر، هذا هو الأصل، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار فاستعمل في نقيضه، كقوله: فبشرهم بعذاب أليم ، إلا أنه فيما يسر أكثر استعمالا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: "وعملوا الصالحات" قال ابن عباس : وعملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 104 ] وقوله: "أن لهم" موضع "أن" نصب، معناه: بشرهم بأن لهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل إلى "أن" فنصب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: جنات تجري من تحتها الأنهار : جنات: جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها، يقال: جنت الرياض جنونا إذا أعتم نبتها حتى ستر الأرض، ويقال لكل ما ستر: قد جن وأجن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: تجري من تحتها الأنهار أي: من تحت أشجارها ومساكنها. والنهر لا يجري وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعا لأنه موضع الجري.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: "كلما": كل: حرف جملة ضم إلى "ما" فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف.

                                                                                                                                                                                                                                      رزقوا: أطعموا، "من ثمرة": "من" صلة، أي: ثمرة، ويجوز أن تكون للتبعيض لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة، قالوا هذا الذي رزقنا من قبل لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: هذا الذي رزقنا من قبل نفس ما يأكلون، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل، كما يقول الرجل لغيره: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء. فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : وضم "قبل" لأنها غاية، كان يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن يدخلها بحق الإعراب، وعدلها: أن أصلها الإضافة، فجعلت مفردة تنبئ عن الإضافة، هذا كلامه، ومعناه: أن "قبل" لا يستعمل إلا مضافا، وله إعرابان عند الإضافة: الفتح والكسر، نحو قبلك، من قبلك، فلما استعمل منفردا من غير إضافة والمعنى إرادة الإضافة بني على ما لم يكن يدخلها بحق الإعراب وهو الضم، ومن هذا قوله تعالى: لله الأمر من قبل ومن بعد تأويله: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، ومعنى هذا الذي رزقنا من قبل : أي: من قبل هذا الزمان ومن قبل هذا الوقت.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: "وأتوا به": أي: أتي المؤمنون بذلك الرزق، "متشابها": يشبه بعضه بعضا في اللون والصورة، مختلفا [ ص: 105 ] في الطعم، نحو رمان يؤدي طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك ، قالوا: إذا طعموه وجدوا له طعما سوى الطعم الأول، فإذا رأوه قالوا: هذا الأول.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن ، وقتادة ، وابن جريج : متشابها في الفضل، خيارا كله لا رذال فيه كما يكون في ثمار الدنيا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: ولهم فيها أزواج مطهرة : الأزواج: جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه، و"مطهرة": قال مجاهد : لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرة من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وقيل: مطهرة من مساوئ الأخلاق، لما فيهن من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: عربا أترابا .

                                                                                                                                                                                                                                      "وهم فيها خالدون" لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء هناك، كما أن التغيض بالزوال والفناء.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية