الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون  إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون  وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين  ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية:

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب حدثه، عن سالم بن عبد الله: إن أول ما حرمت الخمر، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابا له شربوا فاقتتلوا، فكسر أنف سعد، فأنزل الله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن محمد بن الحارث، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، حدثنا أبو يحيى [ ص: 223 ] عبد الرحمن بن محمد الرازي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا عبد الرحيم، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر، فإنها تذهب المال والعقل، فأنزلت الآية التي في سورة البقرة يسألونك عن الخمر والميسر فدعي عمر فقرأت عليه، فلم ير فيها ذلك البيان، فقال: اللهم بين لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل، فأنزلت الآية التي في سورة النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فدعي عمر فقرئت عليه، فلم ير فيها ذلك البيان، فقال: اللهم بين لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل، فأنزلت الآية إنما الخمر والميسر حتى بلغ إلى قوله فهل أنتم منتهون  فقال عمر: انتهينا يا رب قال ابن عباس في قوله: إنما الخمر يريد الخمر من جميع الأشربة التي تخمر حتى تشتد وتسكر.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن أحمد الشيباني، أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، أخبرنا محمد بن زمان بن حبيب الحضرمي، أن محمد بن رمح حدثهم، أخبرنا الليث عند يزيد بن أبي حبيب، أن خالد بن كثير حدثهم، أن السري بن إسماعيل حدثهم، أن الشعبي حدثه، أنه سمع النعمان بن بشير، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن العسل خمرا، وأنا أنهى عن كل مسكر".  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفرائيني إملاء في مسجد عقيل سنة ست عشرة وأربع مائة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الجوسقاني، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي بن حجر، حدثنا سلمة بن صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"   [ ص: 224 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شراب أسكر فهو حرام"   .

                                                                                                                                                                                                                                      رواه البخاري، عن علي بن المديني، ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن سفيان بن عيينة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، حدثني حميد بن زياد أبو صخر، أن رجلا حدثه، عن عمارة بن حزم، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في الحجر بمكة وسئل عن الخمر، فقال: والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي وأخذ بلحيته يكذب في هذا المقام على نبي الله صلى الله عليه وسلم، جاءني رجل وأنا في هذا المقام، فسألني عن الخمر، فقلت: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فسله وارجع إلي فأخبرني ما قال لك، فنظرت إليه حتى قعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلي، فقال لي: سألته عن الخمر، فقال: "هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة وواقع أمه وخالته وعمته".  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن الحافظ، أخبرنا أحمد بن شاذان، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لعن الخمر وعاصرها والمعتصر والجالب والمجلوب إليه والبائع والمشتري والساقي والشارب، وحرم ثمنها على المسلمين"   [ ص: 225 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن محمد بن أحمد المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا أبو عمر القاضي، حدثنا علي بن إشكاب، حدثنا علي بن ربيعة، حدثنا الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن الوليد بن عبادة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخمر أم الخبائث، ومن شربها لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية".  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الغازي، أخبرنا محمد بن بشر بن العباس البصري، أخبرنا محمد بن إدريس السامي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا محمد بن عبيد بن واقد، حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مدمن الخمر كعابد وثن"   [ ص: 226 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعيد فضيل بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن نافع العصري، حدثنا علي بن الحسن الشامي، حدثنا عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجالسوا شربة الخمر، ولا تشيعوا جنائزهم، ولا تزوجوهم ولا تتزوجوا إليهم، فإن شارب الخمر يبعث يوم القيامة مسودا وجهه مزرقة عيناه، يدلع لسانه على صدره، يسيل لعابه على بطنه، يقذره من يراه"  والميسر: القمار كله، وتقدم معنى الكلام فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      والأنصاب: قال ابن عباس: آلهتهم التي نصبوها يعبدونها، واحدها: نصب، والأزلام سهام مكتوب عليها: خير وشر، ومعنى الكلام فيه الأنصاب والأزلام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: رجس من عمل الشيطان أي: قبيح مستقذر، يقال: رجس الرجل رجسا، ورجس إذا عمل قبيحا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج: بالغ الله تعالى في ذم هذه الأشياء فسماها رجسا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظا وإبلاغا في النهي  عن شربها.

                                                                                                                                                                                                                                      لذلك قال ابن عباس: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، فقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فاجتنبوه أي: كونوا جانبا منه، لعلكم تفلحون.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر أما الخمر فقال [ ص: 227 ] ابن عباس: إن رجلا من الأنصار كان مؤاخيا لسعد بن أبي وقاص، فدعاه إلى الطعام وشربوا مسكرا، فوقع بين الأنصاري وبين سعد مراء ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لحي بعير فضرب به وجه سعد حتى أثر في وجه سعد.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيقمر ويبقى حريبا سليبا، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء إلى ماله في يدي غيره.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وعبادته.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أمر بالانتهاء عن هذه الأشياء، فقال: فهل أنتم منتهون قال ابن عباس: قالوا: انتهينا ربنا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الأنباري: بين تحريم الخمر في قوله: فهل أنتم منتهون إذ كان معناه: فانتهوا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت، هل أنت ساكت.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو يريد: اسكت، اسكت.

                                                                                                                                                                                                                                      ولما ذكر الأمر باجتناب الخمر وما بعدها، أمر بالطاعة، فقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما يأمرانكم، واحذروا: المحارم والمناهي، فإن توليتم: أعرضتم عما أمرتم، فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين معناه: الوعيد، كأنه قيل: فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتوليكم عما بلغ رسولنا.

                                                                                                                                                                                                                                      والبلاغ معناه: التبليغ، والمبين الظاهر، أي: ليس على رسولنا إلا أن يبلغ ويبين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية: قال المفسرون: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالوا: يا رسول الله، ما نقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: فيما طعموا يعني: من الخمر والميسر.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 228 ] وقوله: إذا ما اتقوا يعني: المعاصي والشرك، ثم اتقوا: داموا على الاتقاء، ثم اتقوا وأحسنوا اتقوا ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي، أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما أنزل الله تحريم الخمر في المائدة بعد غزوة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلان يوم بدر، وفلان يوم أحد وهم يشربونها، ونحن نشهد أنهم في الجنة.  

                                                                                                                                                                                                                                      فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا
                                                                                                                                                                                                                                      الآية يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي يومئذ حلال، ثم حرمت فيما بعد.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية