الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون  وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون  وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل: وحاجه قومه : قال ابن عباس: خاصموه وجادلوه في آلهتهم وخوفوه بها، فقال منكرا عليهم أتحاجوني في الله أي: في توحيد الله، وقد هدان أي: بين لي ما به اهتديت والتشديد على النون [ ص: 292 ] لاجتماع النونين وإدغام أحدهما في الآخر، وحذف نافع إحدى النونين تخفيفا.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ولا أخاف ما تشركون به أي: هذه الأشياء التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع ولا أخافها، إلا أن يشاء ربي شيئا ، لكن أخاف مشيئة ربي أن يعذبني، وسع ربي كل شيء علما علمه علما تاما وتعلق به علمه، أفلا تتذكرون أفلا تتعظون فتتركون عبادة الأصنام.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أنكر خوفه آلهتهم، فقال: وكيف أخاف ما أشركتم ؟ وهذا سؤال تعجيز عن تصحيح الخوف، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا قال ابن عباس: يريد: ما ليس لكم في إشراكه بالله حجة.

                                                                                                                                                                                                                                      فأي الفريقين أحق بالأمن أحق بأن يأمن من العذاب: الموحد أو المشرك؟ إن كنتم تعلمون .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بين أن الأحق بالأمن هو، فقال: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال جماعة المفسرين: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ونحو هذا روي مرفوعا.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الحاكم أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، والقاسم بن زكريا المطرز، ويوسف بن موسى المروروذي، وعبد الله بن زيدان البجلي، وأبو الحسين السمناني، قالوا: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 293 ] لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترون إلى قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم   ".

                                                                                                                                                                                                                                      رواه مسلم، عن أبي كريب.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا إسحاق الحنظلي، حدثنا جرير، وأبو معاوية، ووكيع، جميعا عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، وقال: لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله وأينا ذلك؟ قال: " ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم   " رواه البخاري، عن إسحاق، عن وكيع، عن قتيبة، عن جرير.

                                                                                                                                                                                                                                      ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ووكيع وقوله: أولئك لهم الأمن قال ابن عباس: من العذاب، وهم مهتدون: قال: أرشد إلى دين الله.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الشيخ أبو معمر المفضل بن إسماعيل، أخبرنا الإمام حيري أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا محمد بن المعلى، حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، عن سخبرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر، ثم سكت، فقالوا: ماذا يا رسول الله؟ [ ص: 294 ] قال: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون".  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه الآية: يعني: ما جرى بينه وبين قومه من المجادلة وإلزامه إياهم الحجة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس: يريد: ألهمناها إبراهيم وأرشدناه إليها.

                                                                                                                                                                                                                                      نرفع درجات من نشاء أي: بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجة إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد، إن ربك حكيم عليم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية