أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
قوله: أفغير الله أبتغي حكما الحكم والحاكم واحد، قال الكلبي، والعوفي: قل لأهل مكة أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا مبينا فيه أمره ونهيه، والذين آتيناهم الكتاب يعني: علماء أهل الكتاب يعلمون أنه: أن القرآن منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين من الشاكين أنهم يعلمون ذلك.
قوله: وتمت كلمت ربك يعني: ما ذكر من وعد ووعيد، وثواب وعقاب، ومن قرأ على الواحد أراد الجمع أيضا، والكلمة تقع على الكثير، تقول العرب: قال زهير في كلمته.
يعنون: قصيدته.
وقوله: صدقا وعدلا: قال يريد: لا خلف لمواعيده، لا في أهل طاعته، ولا في أهل معصيته. ابن عباس:
وقال قتادة، صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم. ومقاتل:
لا مبدل لكلماته قال ابن عباس: لا راد لقضائه، [ ص: 315 ] ولا مغير لحكمه، ولا خلف لموعده.
وهو السميع لتضرع أوليائه، ولقول أعدائه، العليم بما في قلوب الفريقين.
قوله: وإن تطع أكثر من في الأرض قال يريد: الذين ليسوا على دينك، وهم أكثر من المؤمنين، إن تطعهم في أكل الميتة ابن عباس: يضلوك عن سبيل الله دين الله الذي رضيه لك.
ذلك أن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ إن يتبعون إلا الظن يريد: دينهم الذي هم عليه ظن وهوى، لم يأخذوه عن بصيرة وحجة، وإن هم إلا يخرصون يكذبون ويفترون.
قوله: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله قال موضع من رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام. الزجاج:
المعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله.
وهذا قول الكسائي، والفراء، أخبر الله تعالى أنه أعلم بالفريقين: بالضالين عن سبيله والمهتدين، فيجازي كلا بما يستحق. والمبرد،
قوله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه جواب لقول المشركين: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ والمعنى: كلوا مما ذكر عليه اسم الله، والميتة لم تذبح على اسم الله، فلا يجوز أكلها، وقوله: إن كنتم بآياته مؤمنين تأكيد أن ما أباحه الشرع فهو طيب يحل تناوله.
وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وأي شيء يقع لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ما حرم عليكم يعني: في قوله: حرمت عليكم الميتة أي: بينت لكم المحرمات مفصلة مبينة، فاتركوها وكلوا مما ذبح على اسم الله.
وقوله: إلا ما اضطررتم إليه أي: دعتكم الضرورة لشدة المجاعة إلى أكله مما حرم.
وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم أي: يضلون باتباع أهوائهم، والمعنى: يضلون بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه وغير ذلك مما لا شيء يوجبه في شرع، نحو السائبة والبحيرة ومما كان يفعله أهل الجاهلية.
ومن قرأ: ليضلون بضم الياء، أراد: عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر [ ص: 316 ] والسوائب، قال يعني الذين يحلون الميتة ويناظرونكم في إحلالها. الزجاج:
إن ربك هو أعلم بالمعتدين يعني: المجاوزين الحلال إلى الحرام.
قوله: وذروا ظاهر الإثم وباطنه أكثر المفسرين: على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وباطنه الاستسرار به.
قال كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني فيستر ذلك، فحرم الله الزنا فقال: ابن عباس: وذروا ظاهر الإثم وباطنه .
وقال آخرون: هذا عام في كل إثم، قال يعني: معصية الله في السر والعلانية. مجاهد:
وهذا قول قتادة.
وقال ابن الأنباري: يريد: وذروا الإثم من جميع جهاته.
وقال الذي يدل عليه الكلام: اتركوا الإثم ظهر أو بطن، أي: لا تقربوا ما حرم عليكم سرا ولا جهرا. الزجاج:
ثم أوعد على فعل الإثم بالجزاء فقال: إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون .
قوله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال يريد: الميتة والمنخنقة. ابن عباس:
إلى قوله: وما ذبح على النصب .
وقال الكلبي: يعني ما لم يذك، أو ذبح لغير الله، وقال عطاء: نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش والعرب على الأوثان.
قوله: وإنه لفسق يعني: وإن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة لفسق، أي: خروج عن الحق والدين، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم أي: يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، وهو ما ذكر من أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة، قال أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس: كيف [ ص: 317 ] تعبدون شيئا لا تأكلون ما يقتل، وأنتم تأكلون ما قتلتم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: وإن أطعتموهم يعني: في استحلال الميتة إنكم لمشركون. ابن عباس:
قال وفي هذا دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك. الزجاج:
فإن قيل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية والآية كالنص في التحريم؟ قلنا: إن المفسرين فسروا: ما لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية بالميتة، ولم يحمله أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية.
وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في منها قوله: تحريم الميتة وإنه لفسق ولا يفسق أكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية، ومنها قوله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، والمناظرة إنما كانت في الميتة بإجماع من المفسرين، لا في ذبيحة تارك التسمية من المسلمين، ومنها قوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ، والشرك: استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.
وقد أخبرنا أبو منصور المنصوري، أخبرنا حدثنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا عبد الباقي بن قانع، محمد بن نوح العسكري، حدثنا يحيى بن يزيد الأهوازي، حدثنا أبو همام، عن عن مروان بن سالم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، أبي سلمة، عن قال: أبي هريرة، سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسم الله على فم كل مسلم".
وأخبرنا أبو منصور، أخبرنا علي، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا حدثنا [ ص: 318 ] أبو حاتم الرازي، محمد بن يزيد، حدثنا معقل، عن عمرو بن دينار، عن عن عكرمة، ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم يكفيه اسمه، وإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل".
وأخبرنا أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، محمد بن مكي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عائشة، أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سموا الله عليه وكلوا"