[ ص: 424 ] وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون
قوله عز وجل: وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية:
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل، أنا أحمد بن جعفر بن مالك القطيعي، نا نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني مصعب الزبيري، مالك، عن أن زيد بن أبي أنيسة، أخبره، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب مسلم بن يسار الجهني، رضي الله عنه سئل عن هذه الآية عمر بن الخطاب وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم الآية، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار "، عمر بن الخطاب: أن رواه في صحيحه، عن الحاكم أبو عبد الله ابن الأخرم، عن حامد بن أبي [ ص: 425 ] حامد المقرئ، عن عن إسحاق بن سليمان، مالك.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا نا أبو بكر محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري، نا جعفر بن محمد بن شاكر، نا الحسين بن محمد المروزي، جرير، وعن كلثوم بن جبر، عن عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ابن عباس، ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين تلاها إلى قوله المبطلون " أخذ الله عز وجل الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا معاينة، فقال: قوله تعالى: (من ظهورهم ): قال هو بدل من بني آدم، المعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. الزجاج:
وقال الكتاني: لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعا من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالده الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره.
قال في رواية ابن عباس لما خلق الله آدم مسح ظهره، فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. سعيد بن جبير:
فنودي يومئذ أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقال إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر يتحركون، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. مقاتل:
فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين.
وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال.
ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء.
قال الله تعالى: فيمن نقض العهد الأول: وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، وهذا قول جماعة المفسرين، وقالت طائفة [ ص: 426 ] منهم: إن أهل السعادة من الذرية أقروا طوعا، وإن أهل الشقاوة أقروا تقية وكرها، وذلك معنى قوله: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وقال جائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما يعقل به، كما قال: الزجاج: قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ، وكما قال: وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير .
وقوله: شهدنا قال لما قالت الذرية بلى. الكلبي:
قال الله للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا.
وقال هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. السدي:
ويحسن الوقف على قوله: بلى؛ لأن كلام الذرية قد انقطع.
وقوله: أن تقولوا معناه لئلا تقولوا، كما قال: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ، ويجوز أن يكون التقدير: شهدنا كراهية أن تقولوا.
وقرأ أبو عمرو بالياء؛ لأن الذي تقدم من الياء على الغيبة، وكلا الوجهين حسن لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى، قال المفسرون: وهذه الآية تذكير بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين لم نحفظه ولم نذكره.
ونسيانهم لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله بذلك على لسان صاحب المعجزة، وإذا صح ذلك بقول الصادق قام في النفوس مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم، ثم قطع عذر الكفار بقوله: أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل لا يستطيع أحد من الذرية الكافرة أن يقول يوم القيامة: إنما أشرك آباؤنا من قبلنا، ونقضوا العهد، وكنا ذرية من بعدهم فاقتدينا بهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون أفتعذبنا بما فعل المشركون المكذبون بالتوحيد؟ فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله بأخذ الميثاق بالتوحيد على كل واحد من الذرية، قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات أي: وكما بينا في أخذ الميثاق نبين الآيات ليتدبرها العباد فيرجعوا إلى مدلولها ويعملوا بموجبها، وهو بمعنى قوله: ولعلهم يرجعون أي: ولكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى التوحيد.
[ ص: 427 ]