يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا أي متدانين لقتالكم، قال الليث: الزحف: جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة فهو الزحف وجمعه الزحوف.
قال إذا واقفتموهم للقتال فلا تنهزموا. الزجاج:
وهو قوله: فلا تولوهم الأدبار أي: لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
ومن يولهم يومئذ يعني: يوم لقاء الكفار، دبره إلا متحرفا لقتال أي: منعطفا كأنه يطلب عودة يمكنه إصابتها، ينحرف عن وجهه ويرى أنه منهزم، ثم يكر، أو متحيزا أي: متنحيا منضما إلى فئة جماعة من المسلمين يريدون العودة إلى القتال، ومعنى الآية: النهي عن الانهزام بين يدي الكفار إلا أن يكون متحرفا لقتال أو [ ص: 449 ] منضما إلى جماعة يعودون للقتال، فإذا انهزم ونوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القتال لم يلحقه هذا الوعيد، وهو قوله: فقد باء بغضب من الله وأكثر المفسرين على أن هذا الوعيد خاص فيمن انهزم يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا لأنه لم يكن يومئذ في الأرض فئة للمسلمين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض.
وهذا قول أبي سعيد الخدري، في رواية وابن عباس الكلبي، والحسن، وقتادة، والضحاك.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا محمد بن يعقوب بن يونس، أنا الربيع، أنا أنا الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ابن عمر، بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فلقوا العدو، فحاص الناس حيصة فأتينا المدينة فتخبأنا بها، وقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، قال: " بل أنتم العكارون وأنا فئتكم " .
رواه الثعلبي، عن عبد الله بن محمد الرازي، عن علي بن محمد بن عمير، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عن هشام بن عبيد الله، كريب، عن [ ص: 450 ] وذهب قوم إلى أن الفرار من الزحف من الكبائر، وأن من فر من الزحف إذا لم يزيدوا على ضعف المسلمين لحقه الوعيد وقوله: ومأواه جهنم لا يدل على التخليد، ومعناه: أن مرجعه إليها إلى وقت الرحمة والشفاعة، قوله تعالى: يزيد بن أبي زياد فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم قال بالملائكة: الكلبي: جبريل ومن معه.
وقال أهل المعاني: لأن الله تعالى تولى نصرهم بأن شجع قلوبهم، وألقى الرعب في قلوب المشركين.
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى قال المفسرون: إن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرش فأخذ قبضة من حصبة الوادي، فرمى بها وجه القوم وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل عينه منها شيء وشغل بعينه فكان ذلك سبب هزيمتهم.
قال أعلم الله تعالى أن كفا من حصباء لا يملأ عيون ذلك الجيش الكبير برمية بشر، وأنه تعالى تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم فقال: الزجاج: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .
وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة، إن الله سميع لدعائكم، عليم بنياتكم.
قوله: ذلكم أي: الأمر ذلكم الذي ذكرت، وأن الله موهن كيد الكافرين بإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم، قال يقول: إني قد أوهنت كيد عدوكم حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم. ابن عباس: