يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان قال أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى، وقوله: السدي: ليأكلون أموال الناس بالباطل يعني: ما كانوا يأخذونه من الرشى [ ص: 492 ] في الحكم وما كانوا يصيبونه من المأكل من سفلتهم، ويصدون عن سبيل الله ويصرفون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: والذين يكنزون الذهب والفضة أكثر المفسرين على أنه مستأنف نازل في هذه الأمة، وقال قوم: إنا لفينا وفيهم.
ومعنى الكنز في كلام العرب الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، والمراد بهذا الكنز جميع المال الذي لا تؤدى زكاته، قوله تعالى: ولا ينفقونها في سبيل الله قال لا يؤدون زكاتها، وما أدي زكاته فليس بكنز. ابن عباس:
قال ابن عمر: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونا.
والكناية في: ولا ينفقونها تعود إلى الفضة وترك الذهب لأنه داخل في الفضة فاكتفي بذكر أحدهما عن صاحبه، وقال لأن الفضة أقرب إلى العائد وأعم وأغلب. ابن الأنباري:
وقوله: فبشرهم بعذاب أليم أي: اجعل الوعيد لهم بالعذاب موضع البشرى والنعيم.
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن حامد العطار، أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، نا الحارث بن سريج، نا نا يزيد بن زريع، سعيد، عن عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من ترك كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده".
وقوله: يوم يحمى عليها في نار جهنم يقال: أحميت الحديدة في النار إحماء، حتى حميت حميا .
وذلك إذا أوقدت عليها، وقال يحمى عليها، أي: على الكنوز؛ لأن المراد بالذهب والفضة الكنوز. ابن عباس:
فتكوى بها جباههم وجنوبهم قال المفسرون: وكويت بها هذه المواضع، لا يوضع دينار مكان دينار ولا درهم مكان درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع بكل دينار ودرهم كية على جلده. من كان له مال في الدنيا لم يؤد زكاته أحمي على دراهمه ودنانيره في نار [ ص: 493 ] جهنم،
وكان أبو ذر، رضي الله عنه يقول: بشر الكانزين بكي في الجباه، وبكي في الجنوب، وبكي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم.
ولهذا المعنى الذي أشار إليه خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوفا بخلاف اليد والرجل، وكان أبو ذر أبو بكر الوراق يقول: خصت هذه المواضع لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وزوى ما بين عينيه، وطوى عنه كشحه وولاه ظهره.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أنا أبو عمرو بن نجيد، نا محمد بن إبراهيم بن سعيد، نا نا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، سهيل، عن أبيه، عن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أبي هريرة، " ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع له يوم القيامة صفائح يحمى عليها في جهنم، فيكوى بها جبينه وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " .
رواه عن مسلم، ابن بزيغ ، عن قوله: يزيد بن زريع هذا ما كنزتم لأنفسكم أي: يقال لهم: هذا الذي تكون به هو ما جمعتم لأنفسكم، وبخلتم به عن حق الله، فذوقوا ما كنتم تكنزون أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون.