الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب  وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي [ ص: 583 ] أليس منكم رجل رشيد  قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد  قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد  قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب  فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود  مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد  

                                                                                                                                                                                                                                      ولما جاءت رسلنا يعني الملائكة، لوطا في قريته سيء بهم حزن بمجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان جرد، فلما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم وضاق بهم ذرعا ضاق صدره وعظم المكروه عليه، قال الزجاج: يقال: ضاق زيد بأمره ذرعا.

                                                                                                                                                                                                                                      إذا لم يجد من المكروه فيه مخلصا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال هذا يوم عصيب شديد، قال أبو عبيدة: إنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر أي يشدهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وجاءه قومه يهرعون إليه قال المفسرون: لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: لقد استضاف لوطا قوم لم أر أحسن وجوها منهم.

                                                                                                                                                                                                                                      فجاءه قومه يهرعون إليه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الكسائي، وأبو زيد: أهرع الرجل إهراعا.

                                                                                                                                                                                                                                      إذا أسرع.

                                                                                                                                                                                                                                      قال عامة المفسرين: يهرعون: يسرعون ومن قبل أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يعملون السيئات يعني: فعلهم المنكر قال لوط هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني: أنا أزوجكموهن، فهن أطهر لكم من نكاح الرجال، أراد أن يقي أضيافه ببناته فعرضهن عليهم، وقال سعيد بن جبير: دعاهم إلى نسائهم.

                                                                                                                                                                                                                                      يعني أن قوله: هن أطهر لكم أي: نساؤكم أطهر لكم فجعلهن بناته لأنه نبيهم، وكل نبي أبو أمته، وقوله: فاتقوا الله أي: اتقوا عقابه ولا تخزون في ضيفي لا تسوءوني فيهم، ولا تفعلوا بهم فعلا يلزمني الاستحياء منهم، والضيف يراد به الجمع، قال ابن عباس: لا تفضحوني في أضيافي.

                                                                                                                                                                                                                                      يريد: أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة أليس منكم رجل رشيد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ وهذا معنى قول ابن عباس: رجل رشيد يقول الحق ويرد هؤلاء عن أضيافي.

                                                                                                                                                                                                                                      ورشيد هاهنا بمعنى مرشد.

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق لسن لنا بأزواج فنستحقهن وإنك لتعلم ما نريد قال عطاء: إنك لتعلم أنا نريد الرجال لا النساء يعنون عملهم الخبيث.

                                                                                                                                                                                                                                      قال لو أن لي بكم قوة جماعة أقوى بها عليكم أو آوي إلى ركن شديد أو أنضم إلى عشيرة تنصرني، وشيعة تمنعني، وجواب لو [ ص: 584 ] محذوف على تقدير: لحلت بينكم وبين المعصية.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة: ذكر لنا أن الله لم يبعث نبيا بعد لوط إلا في عز من قومه، ومنعة من عشيرته.

                                                                                                                                                                                                                                      ولما رأت الملائكة ما لقي لوط من قومه.

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا يا لوط إن ركنك لشديد و إنا رسل ربك لن يصلوا إليك بسوء، فافتح الباب ودعنا وإياهم.

                                                                                                                                                                                                                                      ففتح الباب فدخلوا، فضرب جبريل بجناحه وجوههم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق، فذلك قوله تعالى: ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم وقوله: فأسر بأهلك وقرئ بقطع الألف وهما لغتان، يقال: سريت بليل وأسريت.

                                                                                                                                                                                                                                      ومنه قوله: أسرى بعبده قال السدي، عن ابن مالك: لم يؤمن بلوط إلا ابنتاه: الكبرى اسمها رية، والصغرى اسمها عروبة، والمراد بالأهل هاهنا: ابنتاه، وقوله: بقطع من الليل قال ابن عباس: يريد: في ظلمة الليل.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يلتفت منكم أحد نهى من معه من الالتفات إذا خرجوا من قريتهم، وقوله: إلا امرأتك من نصبها جعلها مستثناة من الأهل على معنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، ومن رفع فكأن المعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، قال قتادة: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب التفتت فقالت: وا قوماه ! ! فأصابها حجر فأهلكها.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم للعذاب الصبح فقال لوط: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة يا جبريل، قال له: أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا الملائكة بالعذاب جعلنا عاليها سافلها الكناية تعود إلى المؤتفكات وهي مذكورة قبل هذه السورة، قال المفسرون: أدخل جبريل جناحه تحت مدائن قوم لوط حتى قلعها، وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار ونباح الكلاب وصياح الديوك، لم تسقط لهم جرة ولم ينكسر لهم إناء، وكان الطير يخرج في الهواء لا يدري أين يذهب ثم قلبها عليهم مكانها، وأنزلت عليهم الحجارة، فذلك قوله: وأمطرنا عليها حجارة من سجيل وهو معرب عن سنك وكل، وهذا قول ابن عباس، ووهب، وقتادة، وسعيد بن جبير، والعرب لا تعرف هذا، قال الزجاج: ومن كلام الفرس ما لا يحصى مما عربته العرب نحو جاموس وديباج.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أعاد الله ذكر هذه الحجارة فقال: لنرسل عليهم حجارة من طين فبين للعرب ما عنى بالسجيل، وهذا القول اختيار الفراء، وابن قتيبة، قالا: من طين قد طبخ حتى صار كالآجر فهو سنك كل بالفارسية.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: منضود هو مفعول من النضد وهو وضع الشيء بعضه على بعض، ومعناه في قول أكثر المفسرين: الذي يتلو بعضه بعضا.

                                                                                                                                                                                                                                      مسومة من نعت قوله:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 585 ] حجارة قال الزجاج: معلمة بعلامة تعرف بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول ابن جريج، قال: كانت عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن، والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة، وعكرمة: كان بها نضخ من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجذع.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: عند ربك أي: في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه، وقوله: وما هي من الظالمين ببعيد قال قتادة: والله ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا على حذر.

                                                                                                                                                                                                                                      وأكثر المفسرين على أن المراد بالظالمين هاهنا كفار قريش يرهبهم الله بها.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية