الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى  وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا  هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا  وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا  وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا  وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا  

                                                                                                                                                                                                                                      نحن نقص عليك نبأهم خبر الفتية بالحق بالصدق، إنهم فتية أحداث وشباب، آمنوا بربهم وزدناهم هدى ثبتناهم على الإيمان.

                                                                                                                                                                                                                                      وربطنا على قلوبهم ألهمناهم الصبر، إذ قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم، فربط الله على قلوبهم بالصبر واليقين حين قالوا بين يديه: ربنا رب السماوات والأرض الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله تعالى وحده، وأنهم إن دعوا غيره وعبدوه كان ذلك شططا، وهو قوله: لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا كذبا وجورا، وأصل الشطط مجاوزة القدر.

                                                                                                                                                                                                                                      هؤلاء قومنا هذا من قول الفتية، يعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس  ، اتخذوا من دونه آلهة عبدوا الأصنام لولا هلا، يأتون عليهم على عبادتهم، بسلطان بين بحجة بينة فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أن له شريكا في العبادة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وإذ اعتزلتموهم قال ابن عباس رضي الله عنه: هذا من قول يمليخا ، وهو رئيس أصحاب الكهف.

                                                                                                                                                                                                                                      قال لهم: وإذ اعتزلتموهم أي: فارقتموهم، وتنحيتم عنهم جانبا، يعني عبدة الأصنام، وما يعبدون أي: اعتزلتم ما يعبدون، إلا الله فإنكم لن تتركوا عبادته، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله، فقال: اعتزلتم الأصنام، ولم تعتزلوا الله ولا عبادته.

                                                                                                                                                                                                                                      فأووا إلى الكهف صيروا إليه، واجعلوه مأواكم، ينشر لكم ربكم من رحمته يبسطها عليكم، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا قال ابن عباس : يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه، ويأتكم باليسر وبالرفق واللطف.

                                                                                                                                                                                                                                      وكل ما ارتفقت به فهو مرفق، ويقال فيه أيضا: مرفق بفتح الميم وكسر الفاء، كقراءة أهل المدينة ، وهما لغتان في مرفق اليد والأمر، قال الفراء : وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر، ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب أيضا الميم فيهما لغتان، وكأن الذين فتحوا الميم أرادوا أن يفرقوا بين [ ص: 139 ] المرفق، والأمر المرفق من الإنسان.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وترى الشمس إذا طلعت أي: لو رأيتها، لرأيت كما ذكر الله تعالى تزاور عن كهفهم تنتحي وتميل عنهم، ومعنى التزاور التمايل، من الزور والأزور، وقراءة أهل الكوفة بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر تزور، وقال الأخفش : لا يوضع الازورار في هذا المعنى، وإنما يقال: هذا مزور عني، أي منقبض.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ذات اليمين أي: ناحية اليمين، وإذا غربت تقرضهم قال الأخفش ، والزجاج ، وأبو عبيدة : تعدل عنهم وتتركهم.

                                                                                                                                                                                                                                      تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضته ذات الشمال، إذا مر به وتجاوز عنه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الكلبي : يقول: إذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمين، يعني يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، يعني شمال الكهف، لا تصيبه.

                                                                                                                                                                                                                                      وكان كهفهم نحو بنات نعش، في أرض الروم ، أعلم الله تعالى أنه بوأهم في مقناة من الكهف، مستقبلا بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف، ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، فقال: وهم في فجوة منه أي: من الكهف، والفجوة متسع في مكان، ذلك أي: ذلك التزاور والقرض، من آيات الله من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف، من يهد الله فهو المهتد أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف، ولولا ذلك لم يهتدوا، فالمهتدي من هداه الله تعالى كهؤلاء، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا كدقيانوس الكافر وأصحابه.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وتحسبهم أيقاظا أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا، جمع يقظ ويقظان، وهم رقود نائمون، مصدر سمي به، كما يقال: قوم ركوع وسجود.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الكلبي : إنما يحسبون أيقاظا لأن أعينهم مفتحة وهم نيام.

                                                                                                                                                                                                                                      ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال قال ابن عباس : لئلا تأكل الأرض لحومهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : ذكر لنا أن لهم في كل عام تقليبتين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وكلبهم قال ابن عباس ، وأكثر المفسرين: أنهم هربوا من ملكهم ليلا، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال كعب : مروا بكلب، فتبعهم، فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي، أنا أحب أولياء الله، فناموا حتى أحرسكم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو عبيد بن عمير : كان ذلك كلب صيدهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: باسط ذراعيه وهو أن يلقيهما على الأرض مبسوطتين، كافتراش السبع، وقوله: بالوصيد قال ابن عباس ، [ ص: 140 ] والمفسرون: يعني فناء الكهف.

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عبيدة ، وأبو عبيد : الوصيد فناء البيت.

                                                                                                                                                                                                                                      لو اطلعت أي أشرفت، عليهم لوليت منهم فرارا لأدبرت وانقلبت، ولملئت منهم رعبا فزعا وخوفا، وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل عليهم أحد.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ ، أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، أنا الحسن بن سفيان ، نا أبو بكر ابن أبي شيبة ، نا يزيد بن هارون ، أنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه غزا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم ، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذين ذكر الله، تعالى، في القرآن، فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء، فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس : ليس لك ذلك وقد منع الله ذلك من هو خير منك، فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا  فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث رجالا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فبعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم وفي قوله: ولملئت قراءتان: التشديد والتخفيف، والاختيار التخفيف، لأنهم يقولون: ملأني رعبا.

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يكادون يقولون: ملأني.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية