الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا  وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء [ ص: 145 ] كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا  إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا  أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: واصبر نفسك الآية،،

                                                                                                                                                                                                                                      قال أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، إملاء في دار السنة يوم الجمعة بعد الصلاة، في شهور سنة ست عشرة وأربع مائة أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن عبد ربه الحيري ، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، نا الوليد بن عبد الملك بن المسرح الحراني ، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي ، عن مسلمة بن عبد الله الجهني ، عن عمه أبي مشجعة ، عن سلمان الفارسي ، قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المسجد، ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم; يعنون: سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصفوف، لم يكن عليهم غيرها; جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله، تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه حتى بلغ إنا أعتدنا للظالمين نارا يتهددهم بالنار فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد، يذكرون الله، تعالى، قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات وهذه الآية مفسرة في سورة الأنعام إلى قوله: ولا تعد عيناك عنهم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الوالبي ، عن ابن عباس : لا تتعداهم إلى غيرهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الفراء : لا تنصرف عيناك عنهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: تريد زينة الحياة الدنيا يعني مجالسة أهل الشرف والغنى، وتريد هاهنا في موضع الحال، أي مريدا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين، مريدا مجالسة الأشراف، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان الرؤساء، طمعا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا; لأنه لم يمل إلى الدنيا قط، ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء، طمعا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على فقراء المسلمين، وألا يلتفت إلى غيرهم، وقوله: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا قال ابن عباس : يريد عيينة وأشباهه.

                                                                                                                                                                                                                                      أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك، ومعنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا [ ص: 146 ] جعلناه غافلا عن القرآن والإسلام وكلمة التوحيد والإسلام، وروى الضحاك ، عن ابن عباس في قوله: ولا تطع من أغفلنا قلبه قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي ، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة ، فأنزل الله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد، واتبع هواه قال: يعني الشرك.

                                                                                                                                                                                                                                      وكان أمره فرطا قال مجاهد : ضياعا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال السدي : هلاكا.

                                                                                                                                                                                                                                      وأمر فرط: متهاون به، مضيع أصله من التفريط، وهو تقديم العجز.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : ومن قدم العجر في أمره أضاعه الله وأهلكه.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى هذا أنه ترك الإيمان والاستدلال بآيات الله واتبع الهوى، وقال الليث : الفرط الأمر الذي يفرط فيه، تقول: كل أمر فلان فرط.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أمره بما يقول لهؤلاء الذين أمروه بتنحية الفقراء، وإدناء مجلسهم، ليؤمنوا به، فقال: وقل الحق من ربكم أي: هذا الحق من ربكم، قال قتادة : يعني القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم.

                                                                                                                                                                                                                                      يعني لم آت به من قبل نفسي، وإنما أتيتكم به من عند الله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر قال مجاهد ، والسدي : هذا وعيد من الله تعالى، وإنذار.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر، فقال: إنا أعتدنا للظالمين نارا أي: هيأنا وأعددنا لمن عبد غير الله نارا، أحاط بهم سرادقها السرادق كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المطوعي ، أنا محمد بن أحمد بن حمدان الحيري ، أنا أحمد بن علي التميمي ، نا زهير ، نا الحسن بن موسى ، نا ابن لهيعة ، نا دراج أبو السمح ، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "سرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة"  ، والمعنى: أنهم وراء هذه الجدر، وهي محيطة بهم وإن يستغيثوا مما هم فيه من العذاب وشدة العطش يغاثوا بماء كالمهل ، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير والوالبي والعوفي : كدردي الزيت، وهو تفسير النبي صلى الله عليه وسلم فيما:

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، نا إبراهيم بن علي الذهلي ، نا يحيى بن يحيى ، نا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قول الله، عز وجل: بماء كالمهل كعكر الزيت، فإذا قربه إليه; سقط فروة وجهه فيه وروى قتادة ، والحسن ، عن ابن مسعود ، " أنه [ ص: 147 ] سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فخلطهما، فأذيبا، حتى إذا أزبدا وانماعا، قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول اختيار الزجاج ، فقال: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب، أو الصفر، أو الفضة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يشوي الوجوه قال ابن عباس : يشويها حتى يسقط لحمها فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذمه، فقال: بئس الشراب وساءت النار، مرتفقا أي: منزلا ومقرا ومجلسا، ومعنى المرتفق في اللغة ما يرتفق به، ثم يسمى الدار والمنزل مرتفقا لأنه مما يرتفق به.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر ما وعد المؤمنين، فقال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أي: لا نترك أعمالهم تذهب ضياعا، بل نجازيهم بالأعمال الصالحة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب قال الزجاج : أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، هو زينة تلبس في الزند من اليد، وهو من زينة الملوك، يسور في اليد ويتوج على الرأس.

                                                                                                                                                                                                                                      قال سعيد بن جبير : يحلى كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت.

                                                                                                                                                                                                                                      وروى أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، "لو أن أدنى أهل الجنة حلية، عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعا، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا" .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق قال المفسرون: السندس نمارق من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، وهو اسم أعجمي، أصله الفارسية استبر، فنقل إلى العربية، وقوله: متكئين فيها على الأرائك الاتكاء التحامل على الشيء، نحو التوكؤ، ومنه قوله تعالى: أتوكأ عليها والأرائك جمع أريكة، وهو سرير في حجلة، قال ابن عباس ، ومجاهد : الأرائك السرر في الحجال، وهي من ذهب مكللة بالدر والياقوت.

                                                                                                                                                                                                                                      نعم الثواب قال ابن عباس : طاب ثوابهم وعظم.

                                                                                                                                                                                                                                      وحسنت الأرائك، مرتفقا موضع ارتفاق، بمعنى اتكاء.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية