الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى  قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى  فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى  قالوا إن هذان لساحران يريدان [ ص: 211 ] أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى  فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى

                                                                                                                                                                                                                                      فتولى فرعون قال مقاتل: أعرض عن الحق، وعما يلزمه من الطاعة.

                                                                                                                                                                                                                                      فجمع كيده مكره وحيلته، وذلك جمعه السحرة، ثم أتى حضر الموعد.

                                                                                                                                                                                                                                      قال لهم موسى أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون، ويلكم ألزمكم الله الويل، لا تفتروا على الله كذبا قال ابن عباس: لا تشركوا بالله أحدا، فيسحتكم بعذاب ويقرأ بضم الياء يقال: سحته الله، وأسحته إذا استأصله وأهلكه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس، ومجاهد: فيهلككم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: فيستأصلكم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد خاب من افترى قال ابن عباس: خسر من ادعى مع الله إلها آخر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: خسر من كذب على الله ونسب إليه باطلا.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فتنازعوا أمرهم بينهم تناظروا في أمر موسى وتشاوروا، يعني السحرة، سرا من فرعون، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذبا قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: إن هذان لساحران يعنون موسى وهارون، قال ابن عباس في رواية عطاء: هي لغة بلحارث بن كعب، يعني قوله: إن هذان .

                                                                                                                                                                                                                                      وإجماع النحويين إن هذا لغة حارثية، وذلك أن بلحارث بن كعب، وخثعم، وزبيرا ، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضا هذه المعاملة، كما قال قائلهم:


                                                                                                                                                                                                                                      أي قلوص راكب تراها طاروا علاهن فطر علاها

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام في عليها مفتوحة، قلبوها ألفا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين، وقرأ أبو عمرو إن هذين بالياء، بخلاف المصحف، واحتجاجه في ذلك بما روي أنه غلط من الكاتب، وأن في الكتاب غلط ستقيمه العرب بألسنتها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: لا أجيز هذه القراءة لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته لأن اتباعه سنة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ ابن كثير إن هذان بتخفيف إن على معنى: ما هذان إلا ساحران، وإن إذا خففت كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، [ ص: 212 ] واستحسن الزجاج هذه القراءة، قال: وكان الخليل يقرأ بهذه القراءة.

                                                                                                                                                                                                                                      والإجماع أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل، [ ص: 213 ] وقوله: يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما تقدم تفسيره، ويذهبا بطريقتكم المثلى قال الفراء: العرب تقول هؤلاء طرقة قومهم وطرائق قومهم لا طراقهم.

                                                                                                                                                                                                                                      والمثلى: تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، يقال: فلان أمثل قومه، أي أفضلهم، وهم الأماثل.

                                                                                                                                                                                                                                      روى الشعبي، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في هذه الآية، قال: يصرفا وجوه الناس إليهما.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى أن يغلبا بسحرهما فيميل إليهما السادة والأشراف منكم، وقال قتادة: طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عدة وأموالا، فقالوا: إنما يريدون أن يذهبا بهما لأنفسهما.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن زيد: ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة.

                                                                                                                                                                                                                                      واختاره أبو عبيدة، فقال: بطريقتكم المثلى بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم تواصوا فيما بينهم، فقالوا: فأجمعوا كيدكم قال الفراء: الإجماع الإحكام، والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل أزمعته.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ أبو عمرو فاجمعوا موصولا من الجمع، وحجته قوله: فجمع كيده والمعنى: لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به، استظهارا للمبالغة في سحرهم.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ائتوا صفا أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم، وأشد لهيبتكم، وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو عبيدة: الصف موضع المجمع، ويسمى المصلى الصف.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: وعلى هذا معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت الصف، بمعنى أتيت المصلى، وقد أفلح اليوم من استعلى قال ابن عباس: قد سعد اليوم من غلب، ومعنى استعلى: علا بالغلبة.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية