وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق
قوله: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت قال جعلنا مكان البيت مبوأ الزجاج: لإبراهيم، ومعنى بوأنا هاهنا بيتا مكان البيت، قال إن الله تعالى لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبني، فبعث الله ريحا خجوجا، فكنست له ما حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل أن يرفع أيام الطوفان، وقال السدي: بعث الله سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم، فقامت بحيان البيت، وقالت: يا الكلبي: إبراهيم، ابن على قدري.
وقوله: أن لا تشرك بي شيئا أي: وأوحينا إليه ألا تعبد معي غيري، قال المبرد: كأنه قيل له: وحدني في هذا البيت.
لأن معنى لا تشرك بي شيئا وحد الله وطهر بيتي من الشرك وعبادة الأوثان، والآية مفسرة في سورة البقرة.
قوله: وأذن في الناس بالحج قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب، وما يبلغ صوتي.
قال الله: أذن وعلي البلاغ.
فعلا على المقام، فأشرف به حتى صار كأطول الجبال، فأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وغربا، وقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم.
فأجابه من كان في أصلاب الرجال، [ ص: 267 ] وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك.
أخبرنا عبد القاهر بن طاهر، أنا القاسم بن غانم بن حمويه، نا محمد بن إبراهيم بن سعيد، نا زكريا بن يحيى، نا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز، نا عن ابن جريج، عن عطاء، قال: ابن عباس، إبراهيم، عليه السلام، أن ينادي في الناس صعد أبا قبيس ووضع أصبعيه في أذنيه، وقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأول من أجابه أهل اليمن، فليس أحد يحج البيت إلا أن تقوم الساعة إلا من أجاب إبراهيم ذلك اليوم، فذلك قوله: يأتوك رجالا فمن أتى الكعبة حاجا فكأنه قد أتى لما أمر الله إبراهيم؛ لأنه مجيب نداء، ورجال جمع راجل؛ مثل قائم وقيام، وعلى كل ضامر أي: ركبانا، والضمور: الهزال، قال يريد الإبل ولا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر، والمعنى: يأتوك مشاة وركبانا. ابن عباس:
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق المزكي، أنا أبو عمرو بن نجيد، نا نا محمد بن أيوب، أحمد بن حاتم، نا عن يحيى بن سليم الطائفي، محمد بن مسلم، عمن ذكره، وهو عن إبراهيم بن ميسرة، سعيد بن جبير، أنه قال لبنيه: يا بني، حجوا من ابن عباس مكة مشاة حتى ترجعوا إليها مشاة، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة من حسنات الحرم، قال: قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف". عن
وقوله: يأتين من كل فج عميق أي: طريق بعيد، وذكرنا الفج عند قوله: فجاجا سبلا .
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه، أنا محمد بن أحمد بن سنان، أنا أحمد بن علي الموصلي، نا إبراهيم بن الحجاج، نا عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، أنس، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله يباهي بأهل عرفات الملائكة، يقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت لمحسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القول إلى جمع ووقفوا، عادوا في الرغبة والطلب إلى الله، يقول: ملائكتي، عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألني وكفلت عنهم بالتبعات التي بينهم .
قوله تعالى: (ليشهدوا ): ليحضروا: يعني الذين يأتون، منافع لهم أكثر المفسرين: جعلوها منافع الدنيا، وقالوا: يعني التجارة والأسواق.
وهو قول سعيد بن جبير، والسدي، في رواية وابن عباس أبي رزين.
ومنهم من خصها بمنافع الآخرة، وهو قول سعيد بن المسيب، والعوفي، واختيار قال: ليشهدوا ما [ ص: 268 ] ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في آخرتهم. الزجاج،
ومنهم من جعلها شائعة في الأجر والتجارة، وهو قول مجاهد.
ورواية عن عطاء، قال: منافع لهم في الدنيا والآخرة. ابن عباس،
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا المغيرة بن عمرو بن الوليد العدني، بمكة، نا المفضل بن محمد بن إبراهيم الشعبي، نا محمد بن يوسف، نا أبو فرة، قال: ذكر أبو الحكم، عن عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن لهيعة، عن كثير بن الحارث، أنه كان يقول إذا وقف بعرفة: اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك، ووكدت المنفعة على شهود مناسكك، وقد جئتك، فاجعل منفعة ما تنفعني به أن تؤتيني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وأن تقيني عذاب النار. عمر بن عبد العزيز،
وقوله: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات قال الحسن، يعني أيام العشر، قيل لها معلومات للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. ومجاهد:
وقال في رواية ابن عباس يريد أيام الحج، وهي يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق. عطاء:
واختاره قال: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر. الزجاج،
لقوله: على ما رزقهم من بهيمة الأنعام أي: على ذبح ما رزقهم من البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، هذه الأيام تختص بذبح الأضاحي، قال قتادة: كان يقول: إذا ذبحت نسيكتك فقل: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك عن فلان.
وأول وقت الذبح إذا مضى صدر يوم النحر إلى أن تغرب الشمس من آخر أيام التشريق.
وقوله: فكلوا منها يعني: من الأنعام التي تنحر، وهذا أمر إباحة، إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل، وكان أهل الجاهلية لا يستحلون أكل ذبائحهم، فأعلم الله أن ذلك جائز، هذا قول جماعتهم، غير أن هذا في هدي كان صاحبه متطوعا به، فأما إذا كان في كفارة، أو جبرانا لنقصان، فلا يحل لصاحبه الأكل منه، وقوله: وأطعموا البائس الفقير البؤس هو شدة الفقر.
قوله: ثم ليقضوا تفثهم التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه وإذهابه، والحاج مغير شعث لم يدهن ولم يستحد، فإذا قضى نسكه، وخرج من إحرامه بالقلم والحلق وقص الشارب ولبس الثياب ونتف الإبط وحلق العانة، فهو قضاء التفث.
قال كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال. الزجاج:
قوله: وليوفوا نذورهم قال هو نحر ما نذروا من البدن. ابن عباس:
وقال آخرون: يعني ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج.
وربما ينذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله لقاء الكعبة، وإن كان على الرجل نذور مطلقة فالأفضل أن يتصدق ويهديها إلى أهل مكة، ولذلك قال: وليوفوا نذورهم أي: وليوفوها بقضائها، ولم يقل بنذورهم؛ لأن المراد بالإيفاء الإتمام، وقوله: وليطوفوا بالبيت العتيق يعني: الطواف الواجب، ويسمى طواف الإفاضة؛ لأنه يكون بعد الإفاضة.