الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور  حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ذلك أن الأمر ذلك، يعني: ما ذكر من أعمال الحج ومن يعظم حرمات الله قال الليث: الحرمة ما لا يحل انتهاكه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها، وتعظيمها: ترك ملابستها، وكثير من الناس اختاروا في معنى الحرمات هاهنا إنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات، وقال ابن زيد: المراد بالحرمات هاهنا البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام.

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل على هذا قوله: والحرمات قصاص .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فهو أي: التعظيم، خير له عند ربه يعني: في الآخرة، وأحلت لكم الأنعام الإبل والبقر إلا ما يتلى عليكم تحريمه في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة فاجتنبوا الرجس من الأوثان أي: كونوا على جانب منها، فإنها رجس، أي سبب رجس، وهو العذاب أو المأثم.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج: من هاهنا تخليص جنس [ ص: 270 ] من أجناس.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن.

                                                                                                                                                                                                                                      واجتنبوا قول الزور يعني: الشرك بالله، وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، ويريدون الصنم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: المراد بقوله: الزور هاهنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريم بعضها من البحيرة، والسائبة، وقولهم: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله الكذب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن مسعود: يعني شهادة الزور.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن إبراهيم المهرجاني، أنا عبد الله بن محمد الزاهد، أنا أبو القاسم المنيعي، نا جدي، نا مروان بن معاوية، عن سفيان بن زياد الأسدي، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خزيم، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قام خطيبا فقال: " أيها الناس، عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور يريد: أنه قد جمع بين عبادة الوثن وشهادة الزور قوله: حنفاء لله غير مشركين به  ذكر معنى الحنيف فيما تقدم، قال قتادة، وعبد الله بن القاسم: كانت حنيفية في الشرك، كانوا يحجون البيت، ويحرمون في شركهم الأمهات والبنات والأخوات، وكانوا يسمون حنفاء، فنزلت في حق المؤمنين حنفاء لله غير مشركين به أي: حجاجا لله وهم مسلمون موحدون، ثم ضرب لمن أشرك مثلا فقال: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء أي: سقط من السماء، فتخطفه الطير أي: تأخذه بسرعة، من قولهم: خطف يخطف خطفا إذا سلبه، ومنه قوله: يخطف أبصارهم قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.

                                                                                                                                                                                                                                      أو تهوي به الريح أي تسقطه، في مكان سحيق بعيد، يقال: سحق سحقا فهو سحيق.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج: أعلم الله أن بعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة، إما باستلاب الطير لحمه، وإما بسقوطه في المكان السحيق.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية