يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون
قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى : كتب ها هنا بمعنى: فرض وأوجب، كقوله: كتب عليكم الصيام و "القصاص" فعال من المقاصة، يقال: قاصصته مقاصة وقصاصا، إذا أقدته من أخيه.
وقال الليث: القصاص والتقاص في الجراحات والحقوق: شيء بشيء.
وقوله: الحر بالحر قال المفسرون: نزلت الآية في حيين من العرب، لأحدهما طول على الآخر، [ ص: 265 ] فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر، فقتل الأوضع منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف: ليقتلن الحر بالعبد، والذكر بالأنثى، وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية يعلم أن وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى. الحر المسلم كفء للحر المسلم،
ولم تدل الآية على أن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقتل الذكر بالأنثى مستفاد من إجماع الأمة، لأنهما تساويا في الحرمة والميراث وحد الزنى والقذف وغير ذلك، فوجب أن يستويا في القصاص.
وقوله: فمن عفي له من أخيه شيء معنى العفو ها هنا: ترك الواجب من أرش جناية، أو عقوبة ذنب، أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية، فصفح عنه وترك له من الواجب عليه.
وقوله: من أخيه أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به، وأراد بالأخ: المقتول، سماه أخا للقاتل، فدل على أن أخوة الإسلام بينهما لم تنقطع، وأن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله.
وفي قوله: شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود ؛ لأن شيئا من الدم قد بطل بعفو البعض، والله تعالى قال: فمن عفي له من أخيه شيء والكنايتان في قوله: "له"، و "أخيه" ترجعاه إلى "من"، وهو القاتل.
وقوله: فاتباع بالمعروف أي: فعلى ولي المقتول اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية، وهو ترك التشديد على القاتل في طلب الدية.
وقوله: وأداء إليه بإحسان وعلى القاتل تأدية المال إلى العافي بإحسان، أمر الله تعالى الطالب أن يطلب بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لم يوجبه الله، أو يشدد عليه، كل هذا تفسير "المعروف"، وأمر المطلوب منه بالإحسان في الأداء، وهو ترك المطل والتسويف.
وقوله: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة قال يريد: حيث جعل الدية لأمتك يا ابن عباس: محمد، قال لم تحل الدية لأحد غير هذه الأمة. قتادة:
قال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يقيدوا ولا يأخذوا الدية (ولا يعفوا، وعلى أهل [ ص: 266 ] الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا، ولا يأخذوا الدية )، وخير هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو، فقال: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أي: هذا التخيير بين هذه الأشياء.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب العقيلي، أخبرنا الربيع، أخبرنا أخبرنا الشافعي، حدثنا سفيان بن عيينة، عمرو بن دينار، أخبرني قال: سمعت مجاهد يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ابن عباس كتب عليكم القصاص إلى قوله: فمن عفي له من أخيه شيء قال: "العفو" أن تقبل الدية في العمد فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان قال: أمر هذا أن يطلب بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم مما كتب على من كان قبلكم.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان، أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر الجمال، حدثنا عبد الرحمن بن سلمة، حدثنا أبو سعيد الصغاني، حدثنا جرول بن عبد الله، عن أبي حازم، عن قال: ابن عباس وقال الله تعالى لو أكفر الله أحدا من أهل التوحيد بذنب لأكفر الذين سفكوا الدم الحرام، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ثم قال: فمن عفي له من أخيه شيء ثم قال: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة قال فسمى القاتل في أول الآية مؤمنا، وفي وسطها أخا، ولم يؤيسه في آخرها من التخفيف والرحمة وقوله: ابن عباس: فمن اعتدى بعد ذلك يعني: قتل بعد أخذ الدية والعفو، فله عذاب أليم .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأصبهاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا أبو يحيى [ ص: 267 ] الرازي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، أخبرنا أبو خالد، وعبد الرحيم، عن محمد بن إسحاق، عن عن الحارث بن فضيل، سفيان بن أبي العوجاء السلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصيب بدم أو بخبل، والخبل: الجراحة، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، بين أن يقتص أو يعفو، أو يأخذ الدية، فإن فعل شيئا من ذلك، ثم تعدى، فإن له نار جهنم خالدا فيها مخلدا". أبي شريح الخزاعي عن
قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة قال حياة بما ينتهي بعضكم عن دماء بعض مخافة أن يقتل. مقاتل:
وقال جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لأهل السفه والجهل من الناس، وكم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع فيها، ولكن الله حجز بالقصاص عبادة بعضهم عن بعض. قتادة:
[ ص: 268 ] وهذا قول أكثر أهل التفسير، قالوا: إن القاتل إذا قتل قصاصا أمسك عن القتل من كان يهم به مخافة أن يقتل، فكان للذي هم بالقتل وللذي هم بقتله. في القصاص حياة
وقال كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان في ذلك حياة. السدي:
وهذا قول قال: لا يقتل إلا القاتل بجنايته. ابن مسعود،
وقوله: يا أولي الألباب يعني: يا ذوي العقول، وأولي بمعنى: ذوي، وقوله: لعلكم تتقون يعني: إراقة الدماء مخافة القصاص.