عجبت أنى يكون عناؤها فصيحا ولم يقر بمنطقها فما
ومعنى الآية: فهمنا ما تقول الطير، وأوتينا من كل شيء قال يريد من أمر الدنيا والآخرة. ابن عباس:وقال يعني الملك والنبوة والكتاب، وتسخير الرياح، وسخرة الجن والشياطين، ونطق الطير. مقاتل:
إن هذا الذي أعطينا، لهو الفضل المبين الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا.
قوله: وحشر لسليمان جنوده أي: جمع له جموعه وكل صنف من الخلق جند على حدة، يدل عليه قوله: من الجن والإنس والطير قال المفسرون: سليمان إذا أراد سفرا أمر فجمع طوائف من هؤلاء الجنود على بساط واحد، ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض. كان
والمعنى: وجمع لسليمان جنوده في مسير له، قال بلغنا أن محمد بن كعب: سليمان بن داود عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون منها للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوابر على الخشب فيها ثلاث مائة كتيبة وسبع مائة سرية، فيأمر الريح العاصفة فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو [ ص: 373 ] يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح فأخبرتك به، وقوله: فهم يوزعون قال على صنف من جنوده وزعة ترد أولاهم على أخراهم، يعني: ليجتمعوا ويتلاحقوا وهو من الوزع الذي هو الكف، يقال: وزعته أزعه وزعا، والشيب وازع، أي مانع، قال قتادة: الليث: والوازع في الحرب الموكل بالصفوف، يزع ما تقدم منهم.
حتى إذا أتوا على واد النمل أي أشرفوا عليه، قال كعب: هو بالطائف.
وقال قتادة، هو ومقاتل: بالشام.
قالت نملة أي: صاحت بصوت خلقه الله لها، ولما كان ذلك الصوت مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول.
قال أهل المعاني: ومعرفة النملة معجزة له، ألهمها الله معرفته حتى عرفته وحذرت النمل حطمه، وهو قولها: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده والنمل تعرف كثيرا من منافعها من ذلك، إنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت إلا الكزبرة فإنها تكسر بأربع قطع لأنها تنبت إذا كسرت بقطعتين، فالذي هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان، ومعنى لا يحطمنكم لا يكسرنكم، والحطم الكسر، والحطام ما تحطم، وقوله: وهم لا يشعرون أي: بحطمكم ووطئكم.
قال قد علمت النملة إنه ملك لا بقي فيه، وإنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطأها، لذلك قالت: مقاتل: وهم لا يشعرون وهذا يدل على أن سليمان وجنوده كانوا ركبانا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح؛ لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن يتواطأها بأرجلهم، ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله الريح لسليمان، قال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فأدخلته أذن سليمان، فلما سمع كلامها تبسم، وذلك قوله: فتبسم ضاحكا من قولها قال أكثر ضحك الأنبياء عليهم السلام التبسم، وضاحكا حال، ومعناه متبسما، وليس المراد بلفظ الضحك أكثر من التبسم، وسبب ضحك الزجاج: سليمان عليه السلام من قول النملة التعجب، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك.
وقال ثم حمد ربه حين علمه منطق كل شيء وسمع كلام النملة. مقاتل:
وقال رب أوزعني أي ألهمني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي يقال: فلان موزع بكذا، أي مولع به، وقوله: وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم، واحشرني في زمرتهم، قال يريد مع ابن عباس: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين.