قوله: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون
وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه قال قذفنا في قلبها وليس بوحي إرسال. قتادة:
وقال أتاها مقاتل: جبريل بذلك.
أخبرنا أبو الحسن بن أبي نصر السوادي، أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن نعيم، أنا الحسن بن محمد الإسفراييني، نا محمد بن البراء، أنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن قال: وهب بن منبه، أم موسى بموسى، عليه السلام، كتمت أمرها من جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها لما حملت موسى بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتش النساء تفتيشا لم يفتشه قبل ذلك، وحملت أم موسى بموسى فلم ينم بطنها، ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسى ولدته أمه ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، وأوحى الله إليها: أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم قال: فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا، ومهدت له فيه، ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله، فلما أصبح فرعون جلس في مجلسه على شاطئ النيل فبصر بالتابوت، فقال لمن حوله من خدمه: إيتوني بهذا التابوت، فأتوه به، فلما وضع بين يديه فتحوه فوجد فيه موسى، عليه السلام، فلما نظر إليه فرعون؛ قال: عبراني من الأعداء، فغاظه ذلك فقال: أخطأ هذا [ ص: 391 ] الغلام الذبح؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل، يقال لها: آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء، وكانت أما للمسلمين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم ويدخلون عليها، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة، فدعه يكون قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه، فاستحباه فرعون وومقه وألقى الله عليه محبته ورأفته، وقال لامرأته: عسى أن ينفعك، فأما أنا فلا أريد نفعه، قال وهب، قال لو أن عدو الله قال في ابن عباس: موسى كما قالت امرأته آسية عسى أن ينفعنا لنفعه الله به، ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه، وحرم الله موسى المراضع ثمانية أيام ولياليهن، كلما أتى بمرضعة لم يقبل ثديها، فرق له فرعون ورحمه وطلب له المراضع، وذكر وهب حزن أم موسى وبكاءها عليه حتى كادت أن تبدي به، ثم تداركها الله برحمته، وربط على قلبها، وقالت لأخته: تنكري واذهبي مع الناس، فانظري ماذا يفعلون به، فدخلت أخته مع القوابل على آسية بنت مزاحم، فلما رأت وجدهم بموسى وحبهم له ورقتهم عليه؛ قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون إلى أن رد إلى أمه، فمكث موسى عند أمه إلى أن فطمته، ثم ردته فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته يربيانه، واتخذه ولدا، فبينا هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده قضيب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون فغضب فرعون وتطير من ضربه حتى هم بقتله، فقالت آسية بنت مزاحم: لا تغضب ولا يشقن عليك، فإنه صبي صغير لا يعقل، جربه إن شئت، اجعل في هذا الطشت جمرا وذهبا، فانظر على أيهما يقبض، فأمر فرعون بذلك، فلما مد موسى يده ليقبض على الذهب قبض الملك الموكل به على يده، فردها إلى الجمرة، فقبض عليها موسى فألقاها في فيه، ثم قذفها حين وجد حرارتها، فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك إنه لا يعقل شيئا، فكف عنه فرعون وصدقها، وكان أمر بقتله، ويقال: إن العقدة التي كانت في لسان موسى أنه أثر تلك التي التقمها وقوله: ولا تخافي ولا تحزني قال قالت المرأة: رب إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر وبطون الحيتان. مقاتل:
فأوحى الله إليها: لا تخافي عليه الضيعة، فإني أوكل به ملكا يحفظه في اليم، ولا تحزني لفراقه، إنا رادوه إليك لتمام رضاعه لتكوني أنت ترضعينه، وجاعلوه من المرسلين إلى أهل مصر.
فالتقطه آل فرعون الالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون الذين أخذوا تابوت موسى من البحر، ليكون لهم عدوا وحزنا وقرئ وحزنا وهما لغتان، مثل: السقم والسقم وبابه، ومعنى ليكون: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم أخذوه لهذا، كما تقول للذي كسب مالا فأداه ذلك إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، وهو لم يطلب المال طلبا للحتف.
وقالت امرأت فرعون مضى تفسيره إلى قوله: أو نتخذه ولدا قال المفسرون: كانت لا [ ص: 392 ] تلد فاتخذت موسى ولدا لها.
وقوله: وهم لا يشعرون أخبر الله أن هلاكهم بسببه وهم لا يشعرون بذلك.