الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين  وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين  ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين  ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون  

                                                                                                                                                                                                                                      إن الذي فرض عليك القرآن قال المفسرون: أنزل عليك القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن.

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدير الكلام فرض عليك أحكام القرآن وفرائض القرآن، لرادك إلى معاد يعني مكة ، قال المفسرون: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الجحفة في مسيره إلى المدينة ، لما هاجر إليها اشتاق إلى مكة فأتاه جبريل ، فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال: نعم.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال جبريل : فإن الله يقول: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد يعني إلى مكة ، ظاهرا عليها.

                                                                                                                                                                                                                                      فنزلت الآية بالجحفة وليست مكية ولا مدنية، وسميت مكة معادا لعوده إليها.

                                                                                                                                                                                                                                      وتم الكلام، ثم ابتدأ كلاما آخر، فقال: قل ربي أعلم بمن جاء بالهدى وهو جواب لكفار مكة لما قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنك في ضلال.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال الله: قل لهم ربي أعلم بمن جاء بالهدى، يعني نفسه، ومن هو في ضلال مبين يعني المشركين، والمعنى: الله أعلم بالفريقين، وقد علم أني قد جئت بالهدى وأنكم في ضلال، ثم ذكره نعمه، فقال: وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب أن يوحى إليك القرآن بأن تكون نبيا، إلا رحمة من ربك قال الفراء : هذا من الاستثناء المنقطع، ومعناه: ما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم، تتلوها على أهل مكة إلا أن ربك رحمك وأراد بك الخير.

                                                                                                                                                                                                                                      فلا تكونن ظهيرا للكافرين معينا لهم على دينهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقاتل : وذلك حين دعى إلى دين آبائه، فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه.

                                                                                                                                                                                                                                      وأمره بالتحرز منهم بقوله: ولا يصدنك عن آيات الله يعني القرآن، بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك إلى معرفته وتوحيده، ولا تكونن من المشركين قال ابن عباس رضي الله عنه: الخطاب له في الظاهر، والمراد به أهل دينه، أي تظاهروا الكفار ولا توافقوهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وكذلك قوله: ولا تدع مع الله إلها آخر لا تعبد معه غيره، ثم وحد نفسه، فقال: لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه قال عطاء ، عن ابن عباس : إلا ما أريد به وجهه، وهو قول الكلبي ، قال: كل عمل لغيره فهو هالك إلا ما كان له، وقال سفيان رحمه الله: إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال، وهو اختيار الفراء ، وأنشد:


                                                                                                                                                                                                                                      أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل



                                                                                                                                                                                                                                      أي: إليه أوجه العمل، وعلى هذا وجه الله ما وجه إليه من الأعمال، له الحكم أي: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره، وإليه ترجعون تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية