فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعني بقوله لا عدوى، [ ص: 35 ] لا يعدو داء ذي الداء إلى غيره بدنوه منه وقربه، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحامون مجالسة أهل الأدواء، ومؤاكلتهم، ومشاربتهم، ويزعمون أن دنو الصحيح منهم يتعدى إليه ما بهم من الداء، كما قال "لا عدوى" لبيد بن ربيعة للنعمان بن المنذر في الربيع بن زياد العبسي ، وكان النعمان ينادم الربيع بن زياد العبسي ، فرماه لبيد بأن به برصا، لتخبث نفس النعمان عليه، ويترك منادمته:
مهلا أبيت اللعن، لا تأكل معه إن استه من برص ملمعه وإنه يولج فيها إصبعه
قد قيل ذلك إن حقا، وإن كذبا فما اعتذارك من شيء إذا قيلا؟
جانيك من يجني عليك وقد يعدي الصحاح مبارك الجرب
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد على حاضر إلا نشل ونقذف كلانا به عر يخاف قرافه
على الناس، مطلي المساعر أخشف
هجرت غضوب، وحب من يتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب
وأنى عداني عنك لو تعلمينه مصائب لم ينزل سواي جليلها
تعلمت ترقيق المعيشة بعدما كبرت، وأعداني على اللؤم خالد
فعادى عداء بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضح بماء فيغسل
تستن أعداء قريان تسنمها غر الغمام، ومرتجاته السود
والصواب عندي من القول في ذلك ما قاله ، ومن الشاهد على تصحيح قوله في ذلك قول رؤبة بن العجاج أعشى باهلة في صفة رجل:
لا يشتكي الساق من أين ولا وصم ولا يعض على شرسوفه الصفر
وفلاة يستفز الحشا من صواها ضبح بوم وهام
يا عمرو، إلا تدع شتمي، ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
سلط الموت، والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام
لكنها خلة قد سيط من دمها فجع وولع وإعراض وتبديل
[ ص: 40 ] فما تدوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها غول
لهان على جهيمة ما ألاقي من الروعات عند رحى بطان
[ ص: 41 ] لقيت الغول تسري في ظلام بسهب كالعباءة صحصحان
فقلت لها: كلانا نقض أرض أخو سفر فصدي عن مكاني
فصدت، فانتحيت لها بعضب حسام غير مؤتشب، يمان
قددت سراتها والبرك منها فخرت لليدين وللجران
فقالت: زد فقلت: رويد إني على أمثالها ثبت الجنان
شددت عقالها وحللت عنها لأنظر غدوة ماذا أتاني إذا عينان في وجه قبيح
كوجه الهر مسترق اللسان ورجلا مخدج وسراة كلب
وثوب من فراء أو شنان
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب
أقسم بالله أبو حفص عمر ما إن بها من نقب ولا دبر
[ ص: 43 ] والنقب أيضا بفتح النون، وسكون القاف، والمنقبة: الطريق في الجبل، والغلظ، ومنه قول الغنوي:
إن توعدونا بالقتال فإننا نقاتل من بين القرى والمناقب
وأما قوله "أو بعجبه" فإن العجب عظيم في منقطع فقار الظهر مما يلي العجز، وهو أصل الذنب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يبلى من ابن آدم كل شيء إلا عجب الذنب، ومنه يركب الخلق" وأما العجب، بفتح العين والجيم، فمصدر قول القائل: "عجبت من كذا، أعجب منه عجبا".
وأما قول الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: " فيشمل الإبل كلها، فإنه يعني به: فيعمها جربا، يقال منه: "شمل القوم هذا الأمر، إذا عمهم، فهو يشملهم شملا وشمولا" فأما قولهم: "شملت الريح، فإنها بفتح الميم، فهي تشمل شملا وشمولا" ويقال: "أشملنا" بمعنى: دخلنا في الشمال، وأما قولهم: " شملت الناقة، وذلك إذا علقت عليها شمالا، وهو كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة، فإنه تفتح ميمه، فأنا أشملها شملا، وأما قولهم: قد شملت ناقتي لقاحا من فحل فلان، فإنه بكسر الميم، فهي تشمل شملا، وذلك إذا لقحت " وأما قول "سخت درست" ، فإنهما كلمتان بالفارسية، فأما [ ص: 44 ] قوله: "سخت" ، فإن معناه صلب شديد، وأما قوله: "درست" فإن معناه: صحيح وأما قول المرأة التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي هريرة: " سكنا دارنا ونحن ذوو وفر، فإن الوفر هو: " المال الكثير، يقال منه: إنه لذو وفر وفرو، إذا كان ذا مال كثير ".
[ ص: 45 ]