فمن ذلك عمر فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، لعبد الرحمن: يعني بقوله: هبني، هب لي، كما يقال: صادني صيدا، بمعنى: صاد لي كما قال قول نابغة بنى ذبيان:
فتصيدنا العير المدل بحضره قبل الونى، والأشعب النباحا
وهذه كلمة لا أذكر أنى سمعتها إلا في هذا الحديث، فإن كانت محفوظة، فجائز في الكلام أن يقال: وهبت له درهما ووهبته درهما، كما يقال: صدته صيدا، وصدت له صيدا، وشكرته صنيعه، وشكرت له صنيعه، كما قال أبو نخيلة السعدي:شكرتك، إن الشكر حبل من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضي
فلم تلفني فها، ولم تلف حجتي ملجلجة أبغي لها من يقيمها
وعظة إن نفس حر بلت أو أدركت بالجهد ما قد ألت
جهراء لا تألو إذا هي أظهرت بصرا ولا من عيلة تغنيني
وقد تستعمل العرب ذلك إذا شددوا اللام منه في غير هذا المعنى، فتقول: قد أل فلان فهو يئل ألا، بتشديد اللام، وذلك إذا مر مرا سريعا فويق العنق.
وأما قولهم: آل، بمد الألف وتخفيف اللام، فإنه من غير هذا كله، وله معنيان: أحدهما: الرجوع، يقال في ذلك: آل فلان يئول أولا، وذلك إذا رجع، وآل القطران إذا خثر.
والثاني قولهم: آل فلان ماله، فهو يؤوله، وذلك إذا أصلحه وأحسن سياسته، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري:
بصبوح غانية وجذب كرينة بموتر تأتاله إبهامها
وأما قولهم: قد وأل فلان فهو من غير ذلك كله، وإنما يقال ذلك للرجل إذا نجا بنفسه من مخافة، فصار في حرز، والحرز هو الموئل، يقال منه: وأل فلان فهو يئل وألا ووءولا، ومنه قول أعشى بنى ثعلبة:
وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل
وأما قوله: "ذا فوق" فإنه يعني سهما قد أصلح فوقه، وفوق السهم مجرى الوتر فيه، والفوق جمع واحده فوقة، يدل على ذلك قول الفرزدق:
ولكن وجدت السهم أهون فوقة عليك، وقد أودى دم أنت طالبه
كسر من عينيه تقويم الفوق وما بعينيه عواوير البخق
ونبلي وفقاها كعرا قيب قطا طحل
وقد ذكر بعضهم عن المفضل الضبي أنه كان ينشد بيت الفرزدق الذي ذكرناه قبل: "أهون فقوة عليك" ، وكأن من قال: "فقوة" قلب الحرف، فنقل اللام إلى موضع العين من الاسم، كما يقال: جذبه فلان وجبذه.
وإنما أراد عبد الله فيما نرى بقوله هذا، والله أعلم: ما قصرنا ولا تركنا الجهد عن الاختيار للأمة أفضلها وأرفعها سهما ونصيبا وحظا في الإسلام والخير والسابقة والفضل.