الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              54 - حدثني علي بن سهل الرملي ، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، قال: قال: سفيان: "ليس في العمد للولي إلا القصاص أو العفو، وليس فيه دية".  

              فإن قال: فهل من علة لقائل هذا القول، يعذر بالقول به؟ قيل: أما من كان دائنا بالقول بحجة خبر الواحد العدل في الدين، فلا عذر له في ذلك. وأما من كان للدينونة به منكرا، فبلى. فإن قال: وما علته التي يجعلها سببا لتصحيح القول به؟ قيل: علته في ذلك أن الله تعالى ذكره ذكر في كتابه قتل الخطإ فقال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله فجعل عز ذكره الدية والكفارة في قتل الخطإ، وألزم ذلك أهله، وكان غير جائز عندهم أن يجعل ما خص به قتل الخطإ من الحكم في العمد الذي هو خلاف الخطإ، كما غير جائز، عند الجميع من سلف علماء الأمة وخلفهم، أن يجعل ما خص به قتل العمد من الحكم في الخطإ الذي هو خلاف العمد، وجعلوا إجماع الجميع على أن حكم الله تعالى ذكره، الذي حكم به في قتل العمد، من وجوب القصاص لأهله [ ص: 41 ] على من وجب عليه ذلك في قتل العمد، غير جائز الحكم به في قتل الخطإ دليلا لهم على أن حكم الله تعالى ذكره، في قتل الخطإ، مثله، في أنه غير جائز الحكم بما حكم به في قتل العمد وقالوا: لو جاز أن يحكم بالدية التي جعلها الله، جل ثناؤه، في قتل الخطإ، في العمد، جاز أن يحكم بالقصاص، الذي جعله في قتل العمد، في قتل الخطإ. فلما كان ذلك غير جائز في قول الجميع، كان كذلك غير جائز الحكم في قتل العمد الذي جعل الله تعالى ذكره فيه القصاص، بالدية، لا فرق بين ذلك قالوا: ومن فرق بين ذلك كلف البرهان على قوله من أصل أو نظير.

              وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرنا في ذلك عن النبي صلى الله يه وسلم زيادة معنى ليس في سائر الأخبار غيره، وذلك قوله: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه [ ص: 42 ] فقال: يا رسول الله، اكتبه لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه وذلك خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم بما خطب، ففي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو شاه أن يكتب له، البيان البين عن إذن النبي صلى الله عليه وسلم بتقييد كلامه وغيره من علوم الدين بالكتاب، وبطول قول من أنكر كتاب العلم وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

              وفي حديث أبي شريح الذي ذكرناه في ذلك، الذي رواه الزهري ، عن مسلم بن يزيد بن قيس ، وسعيد المقبري عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة [ ص: 43 ] معنى ليس في غيره من الأخبار، وهو قوله عليه السلام لخزاعة: "وإني والله لأدين هذا الرجل الذي قتلتموه"، والمقتول كان مشركا قد بين ذلك من أمره أبو شريح في خبره الذي رواه عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري ، غير أنه كان ممن لحقه الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من وضع سلاحه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن"، وكان قتل قاتله من خزاعة، بعد أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها [ ص: 44 ] برفع السلاح عمن كان أذن لها بوضعه فيهم، فأوجب صلى الله عليه وسلم ديته لأهله، لما كان تقدم له منه من الأمان، وفي ذلك من فعله الدليل الواضح على أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل قتيل في بلاد الإسلام من أهل الشرك، ممن دخلها بأمان أن له دية مسلمة إلى أهله،  عمدا كان قتله أو خطأ، وأن لا قود على قاتله إذا كان مسلما، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقد أولياء الهذلي المقتول، من الخزاعي الذي قتله، ولكنه أمر بأداء العقل إلى أوليائه، أو يحمل ذلك لهم عنه، إذ كان الخزاعي القاتل كان مسلما، والهذلي المقتول ذو أمان، كافرا غير داخل في صبغة الإسلام.

              وفي حديث أبي شريح ، الذي رواه عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري عن النبي صلى الله عليه وسلم، البيان البين، لمن وفق لفهمه، عن صحة ما نقول به من خبر الواحد العدل في الدين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذين شهدوا خطبته ذلك اليوم أن يبلغها الشاهد منهم الغائب، ومعلوم أن كل من شهد ذلك من أمره، قد لزمه من [ ص: 45 ] فرض الإبلاغ عنه على الانفراد، ما لزمهم على الاجتماع وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم ذلك، إلا والمبلغ ذلك عنه لازمه من فرض العمل بما أبلغ عنه من ذلك، مثل الذي كان لازم السامع لولا ذلك، لم يكن للأمر بإبلاغه إياه، إن كان غير لازمه به من فرض العمل، مثل الذي لزم المبلغ بسماعه منه عليه، وجه معقول، لأن المبلغ ذلك من لم يشهده، إن كان بهيئته قبل أن يبلغه، في أنه لم يلزمه من فرض العمل بما أبلغ ما لزم السامع، فإنما كلف السامع أن يهذي في وجه الغائب الذي لم يشهد سماع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من قائله، إن قاله وصف منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يجل عن أن يوصف به، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية