الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              القول فيما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خدوش أو كدوح أو خموش"  ، فالكدوح: آثار الخدوش،  ومنه قول الشاعر:


              هما الغول والسعلاة حلقي منهما مخدش ما بين التراقي مكدح

              [ ص: 136 ] يعني بقوله: مكدح: مؤثر، فيه آثار الخدوش، ومنه قول نابغة بني ذبيان:

              أقب كعقد الأندري معقرب     حزابية قد كدحته المساحل

              يعني بقوله: قد كدحته: قد عضضته، فأثرت به من عضها إياه آثارا.

              وإنما يصف بذلك عيرا قد كدحته المعيوراء، فأثرت به آثارا.

              وأما الخموش: فنحو الخدوش، ومنه الخبر الآخر الذي روي عن أبي أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن يوم حنين الخامشة وجهها، والشاقة جيبها،  يعني بالخامشة وجهها ما وصفت، يقال منه: خمشت المرأة وجهها تخمش وتخمش خمشا وخموشا، ومنه قول لبيد بن ربيعة:


              خمشن حرا أوجه صحاح     في السلب السود وفي الأمساح

              [ ص: 137 ] وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ليس على وجهه مزعة لحم" ، فإنه يعني بالمزعة: القطعة من اللحم.

              من ذلك قولهم: غضب فلان على فلان حتى كاد أنفه يتمزع، يراد به: يتقطع قطعا.

              وأما قول قبيصة بن المخارق: تحملت بحمالة، فإنه يعني: تكفلت بكفالة، يقال للكفيل يتكفل بالمال عن القوم: هو كفيل به، وهو حميل، وضمين، وزعيم، وقبيل، وصبير.

              وإنما أراد قبيصة بقوله ذلك أنه تضمن ديات أقوام قتلوا؛ للإصلاح بين عشائر القاتلين والمقتولين؛ فأباح النبي صلى الله عليه وسلم المسألة فيها؛ حتى يؤديها؛ لما في ذلك من حقن دماء الفريقين، وصلاح ذات بين الطائفتين.

              وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله" ، فإنه يعني بالجائحة: المصيبة تنزل بمال الرجل، والآفة تحل به، فيهلك لذلك المال الذي أصابه ذلك، ومنه الخبر الآخر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بوضع الجوائح، يعني بترك المطالبة بما أهلكته الجوائح من الأموال التي كانت [ ص: 138 ] أصول أشريتها غير صحيحة، ولم يهلكها مبتاعوها، ولا هلكت في أيديهم بعد قبضهموها، فأباح النبي صلى الله عليه وسلم لمن اجتاحت الجوائح ماله المسألة؛ حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما منه.

              والسداد بكسر السين: هو ما سد الخلة، وكذلك ما سد خللا من شيء فهو سداد بكسر السين، يقال منه: هذا الشيء سداد من عوز وفقر، واجعل لقارورتك سدادا، وهو الصمام؛ لأنه يسد رأسها، ومنه قول الطرماح بن حكيم:


              يا خال، أنت سداد ما لو لم تكن     شقت بوائقه على الأمصار



              ومنه: سداد الثغر، إذا سد بالخيل والرجال، ومنه قول العرجي:


              أضاعوني، وأي فتى أضاعوا     ليوم كريهة وسداد ثغر

              وأما السداد بفتح السين: فهو القصد والإصابة، يقال منه: إنه لرجل مسدد، إذا كان يعمل بالسداد.

              وعليك أيها الرجل بالسداد، يراد به القصد.

              وكذلك القوام بكسر القاف: مصدر أقام أمر الرجل، من كفاية [ ص: 139 ] تقيم عيشه وغير ذلك من أموره.

              والقوام، بفتح القاف: القصد والعدل من قول الله عز وجل: وكان بين ذلك قواما .

              وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من ذوي الحجى من قومه" ، فإنه يعني بذوي الحجى: ذوي العقل والتمسك بالدين والحق، يقال منه للرجل إذا أقام بالمكان ولزمه: حجا به يحجو حجوا، ومنه قول العجاج:


              بربض الأرطى وحقف أعوجا     فهن يعكفن به إذا حجا
              عكف النبيط يلعبون الفنزجا

              وأما قولهم: فلان يأتينا بالأحاجي، فإنه جائز أن يكون من الحجى، وذلك أن الأحاجي ما يعايا به، يقال منه: حاجيت فلانا ما في يدي: إذا عاييته به، أي شيء منها، وذلك من امتحان العقل بالمعاياة

              [ ص: 140 ] وأما قولهم: أحج بذاك، فإنه من غير هذا المعنى، ومعناه: أخلق به أن يكون، وأحر به.

              وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وما سوى ذلك من المسائل سحت يا قبيصة، يأكله صاحبه سحتا" ، فإنه يعني بالسحت: الحرام الذي يهلك آكله ويستأصله هلاكا، بأكله إياه وإفساده دينه.

              وأصل السحت: كلب الجوع، يقال منه: فلان مسحوت المعدة، إذا كان أكولا لا يلفى أبدا إلا جائعا.

              وإنما قيل لآكل الحرام: هو يأكل السحت؛ لشرهه إلى أكل ذلك، وأخذه من أموال الناس، كشره المسحوت المعدة إلى أكل الطعام، يقال منه: سحته الله، وأسحته، لغتان محكيتان، وقد قرئ بهما في القرآن، وذلك قوله (فيسحتكم و فيسحتكم بعذاب ، ومنه قول الفرزدق بن غالب:


              وعض زمان يا ابن مروان لم يدع     من المال إلا مسحتا أو مجلف

              يعني بالمسحت: الذي قد استؤصل هلاكا؛ بإفساده إياه، ومحكي عن العرب أنها تقول للحالق إذا حلق: اسحت شعره، تعني به: استأصله.

              وأما قول عمر: من سأل الناس ليثري به ماله، فإنه يعني بقوله: [ ص: 141 ] ليثري به ماله: ليكثره، وإنما عنى بذلك: من سأل عن غنى من غير فاقة ليكثر بمسألته ماله، لا ليسد به فاقته.

              والثراء بالمد: كثرة المال، ومنه قول علقمة بن عبدة:


              يردن ثراء المال حيث علمنه     وشرخ الشباب عندهن عجيب

              وأما الثرى بالقصر: فإنه التراب المبتل، ومنه قول الله عز وجل: وما تحت الثرى ، ويقال: بدا ثرى الماء من أعطاف الخيل، إذا عرقت، ومنه قول الشاعر:


              يذدن ذياد الخامسات وقد بدا     ثرى الماء من أعطافها المتحلب

              يقال من المقصور من ذلك: ثرى فلان التراب، فهو يثريه تثرية، وذلك إذا بله، ومن الممدود: أثرى فلان فهو يثري إثراء.

              ويقال: ثرى بنو فلان بني فلان، إذا كثروهم، وكانوا أكثر منهم.

              ويقال: هو في ثروة من قومه وثراء، يراد بالثروة: العدد.

              وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعطي شيئا فليجز به"  ، فإنه يعني بقوله: [ ص: 142 ] "فليجز به" : فليكاف به، ومنه قول الناس: جزى الله فلانا عن فلان خيرا، يعنى به: أثابه الله وكافاه عنه، على فعله الذي كان منه إليه.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية