فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس" ، يعني بقوله صلى الله عليه وسلم: : غارت في الحجاج، ودخلت في عظمه. "هجمت له العين"
ومنه قيل: هجم فلان على فلان منزله: إذا ولج عليه فيه بغير إذن.
ويقال أيضا: هجم على القوم منزلهم: إذا سقط عليهم.
وأما قوله عليه السلام: ، فإنه يعني: وكلت له النفس ورزحت، كالناقة النافهة من السير. "ونفهت له النفس"
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
به تمطت غول كل ميله بنا حراجيج المهاري النفه
[ ص: 399 ] والنفه: جمع نافه، وهو الذي قد كل من السير وأعيا.وأما قوله في الخبر الآخر:
، فإني أخشى أن يكون غير محفوظ؛ وذلك أن النهم: إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا يشبع الآكل ولا تمتلئ عينه، وليس ذلك من فعل الصوم بصاحبه، بل هو إلى الفطم عن الشهوات إذا توبع أقرب منه إلى أن يورث ذلك صاحبه. "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العينان ونهمت النفس"
والنهم -بسكون الهاء -معنى غير هذا، وهو زجر الإبل.
وليس لذلك في هذا الموضع أيضا وجه.
ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ، والزور: الضيف، والرجل يأتيه زائرا، الواحد والاثنان والثلاثة، والمذكر والمؤنث، في ذلك بلفظ واحد. "وإن لزورك عليك حقا"
يقال: هذا رجل زور، وهذان رجلان زور، وهم قوم زور، فيوحد في كل حالة؛ لأنه مصدر وضع مواضع الأسماء، ومثل ذلك: هم قوم صوم، وفطر، وعدل، الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
والزور في غير هذا: أعلى الصدر، وإياه عنى ابن ميادة بقوله: [ ص: 400 ]
كأن قرادي زوره طبعتهما بطين من الجولان كتاب أعجم
ومن الزور قول الراجز:
جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم شيخ لنا قد كان من عهد إرم
شيخ لنا معاود ضرب البهم
ومن الزون - بالنون في ذلك -قول رؤبة بن العجاج:
وهنانة كالزون يجلى صنمه تضحك عن أشنب عذب ملثمه
وأما الزير بكسر الزاي، فإنه غير ذلك كله، وهو الرجل الذي يعتاد النساء، ويميل إلى محادثتهن وملاعبتهن.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
قلت لزير لم تصله مريمه ضليل أهواء الصبا يندمه
فلو نبش المقابر عن كليب فيعلم بالذنائب أي زير
وأما قول المنهال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام البيض.
فإن أيام البيض من كل شهر ثلاثة أيام: وهو الثالث العشر، والرابع العشر، والخامس العشر.
وإنما قيل لهن البيض؛ لاتصال البياض فيهن من أول الليل إلى آخره، بطلوع القمر فيهن، مع مغيب الشمس، إلى أن يبدو وضح النهار من صبيحة كل ليلة منهن.
[ ص: 402 ] ولهن أسماء غير ذلك، فاسم ليلة ثلاث عشرة من ذلك عند العرب: ليلة السواء، وإنما قيل لها ليلة السواء؛ لأنه يستوي فيها القمر، وهي ليلة التمام، يقال هذه ليلة تمام القمر، وذلك وفاء ثلاث عشرة، واسم ليلة أربع عشرة: ليلة البدر، وإنما قيل لها ذلك؛ لأن القمر يبادر الشمس بالغداة، ويطلع بالعشي قبل غروبها، وأما ليلة خمس عشرة، فإنها يقال لها: ليلة النصف.
وأما قول نعيم بن قعنب: فجعل -يعني -يهذب الركوع ويخفه. أبا ذر
فإنه يعني بقوله: يهذب: يسرع ويعجل فيه، والعرب تقول للخيل إذا أسرعت الركض: مرت تهذب، ومرت تلهب، ومرت تحصب.
وأما قول معاذ: لتخضمن الدهر، ولتصومن الدهر.
فإنه يعني بقوله: لتخضمن الدهر: لتأكلن الدهر أكلا بسعة.
والخضم: الأكل بجميع الفم، والقضم دون ذلك، يقال في مثل: قد يبلغ الخضم بالقضم، يقال: خضمت الشيء فأنا أخضمه خضما.
وحدثت عن الأصمعي ، عن ابن أبي طرفة ، قال: قدم أعرابي على ابن عم له مكة وقال: إن هذه بلاد مقضم، وليست بلاد مخضم.
[ ص: 403 ] وإنما أراد معاذ بقوله: لتخضمن الدهر، ولتصومن الدهر: أنا إذا صمنا ثلاثا من كل شهر، وأفطرنا سائره، فقد صمنا الدهر كله، وأكلنا بسعة الدهر كله؛ لأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كله [ ص: 404 ]