الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              القول في البيان عما في هذه الأخبار التي ذكرناها من الغريب

              فمن ذلك قول البراء بن عازب: فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، واللحد: هو القبر يحفر للموت معترضا في جانب، وفيه لغتان: لحد، بفتح اللام: هي لغة تميم، ولحد بضمها: وهي لغة أهل العالية، وكل مائل إلى جانب فهو لاحد إليه وملحد.  

              يقال منه: قد لحد فلان إلى كذا وكذا، فهو يلحد إليه لحدا، إذا مال إليه وألحد إليه، فهو يلحد إلحادا، ومنه قول الله تعالى ذكره: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم يعني بقوله: بإلحاد، يميل إلى الظلم، ومنه قول الراجز:


              قدني من نصر الخبيبين قدي ليس أميري بالشحيح الملحد

              يعني بالملحد: المائل إلى الظلم، ومنه قيل للمائل إلى غير الحق في الدين ملحد، ومن اللحد قول الأخطل:


              أما يزيد فإني لست ناسيه     حتى يغيبني في الرمس ملحود

              يعني بالملحود: قبرا محفورا على ما وصفت.

              ومن الإلحاد قول الآخر: [ ص: 609 ]

              يا ويح أنصار النبي ورهطه     بعد المغيب في سواء الملحد

              يعني بالملحد: القبر المحفور.

              ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "معهم سرابيل من قطران" ، والسرابيل " جمع سربال، وهو القميص وما يلبس من شيء، ومنه قول الشاعر:


              لعمرك ما تبلى سرابيل عامر     من اللؤم ما دامت عليها جلودها



              ومنه قول امرئ القيس:


              ومثلك بيضاء العوارض طفلة     لعوب تنسيني إذا قمت سربالي



              وأما القطران: فهو الذي تهنأ به الإبل، وفيه لغات ثلاث: قطران، وقطران، بفتح القاف وتسكين الطاء، وقطران، بكسر القاف وتسكين الطاء، ومن القطران بكسر القاف وتسكين الطاء قول أبي النجم العجلي:

              [ ص: 610 ]

              جون كأن العرق المنتوحا     ألبسه القطران والمسوحا



              وأما القطران، بفتح القاف وكسر الطاء، فمن قول الله تعالى ذكره: سرابيلهم من قطران ، وقد كانت جماعة من السلف تقول في القطران الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية: إنه النحاس المذاب، وممن قال بذلك مجاهد ، وقتادة ، وأما المعروف عند العرب من القطران فهو ما ذكرت.

              ومنه قوله: "فتخرج منه كأطيب نفحة مسك" ، يعني بالنفخة: ما خص به المسك من طيب الريح، وكذلك كل ذي حظ من شيء وقسم ونصيب، فهو ذو نفحة منه، ومنه قول الله تعالى ذكره: ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك يعني به نصيبا منه وقسما.

              وأما قوله: "يلحفان الأرض بشعورهما" ، فإنه يعني: يغطيانها بها، ومن ذلك قيل للحاف ، لحاف، لتغطيته ما تحته، ومنه قيل للملحفة، ملحفة.

              [ ص: 611 ] ومنه قوله: "أصواتهما كالرعد القاصف" ، وهو الرعد الشديد الصوت التي تقصف صواعقه ما أصابته وتدقه وتحطمه، ومنه قولهم: قصف فلان ظهر فلان، يقصفه، وذلك إذا كسره ودقه، يقال منه: سمعت قصيف الرعد ووئيده ووأده ورزمته وهزمته، كل ذلك شدة صوته، ومن القاصف قول الله عز ذكره: فيرسل عليكم قاصفا من الريح .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية