الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              وقالوا: غير جائز أن يكون معناه غير ما قلنا؛ لأن معناه لو كان على الامتلاء من جميع أنواع الشعر، لما كان لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر حكمة"  معنى معقول، لأن ذلك لو كان على كل أنواع الشعر، لا على الخاص منه الذي رواه الشعبي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيه عنه، لكان من كان جوفه [ ص: 623 ] ممتلئا من الشعر الذي هو حكمة داخلا في ما قال صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا"   .

              قالوا: وذلك غير جائزة إضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن في ذلك إضافة ذم امتلاء القلب من الحكمة إليه.

              وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة لا شك أن الغالب كان عليهم الشعر وقيله، وذلك بعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لذلك من أمرهم ذاما، بل كان لهم حامدا، ولهم بقيله آمرا، منهم حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، وغيرهم ممن يكثر عددهم.

              قالوا: فلو كان الأمر في ذلك على ما تأوله من خالف قولنا فيه، لكان صلى الله عليه وسلم قد تقدم إلى من ذكرنا، وإلى أمثالهم من الشعراء الذين كانوا على عهده مسلمين، بترك قيل الشعر وروايته.

              وفي أمره إياهم بقيله إذ هاجاهم المشركون وإذنه لهم برواية ما كان منه حكمة أدل الدليل على صحة ما قلنا، وفساد قول من خالف قوله قولنا.

              وقال آخرون في ذلك: بل معناه: أن يغلب الشعر على قلب المرء حتى يشغله عن القرآن،  وعن ذكر الله عز وجل، فيكون هو الغالب عليه دون غيره من القرآن وذكر الله عز وجل، من أي الشعر كان ذلك قالوا: فأما إذا كان الغالب عليه القرآن وذكر الله والعلم دون الشعر، فليس ذلك بممتلئ شعرا وإن كان يروي من الشعر شعرا كثيرا ويقوله.

              [ ص: 624 ] قالوا: ولو كان معنى ذلك امتلاءه من الشعر الذي هجى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكان مرخصا في القليل منه؛ لأن الذم من النبي صلى الله عليه وسلم إنما ورد في هذه الأخبار من الامتلاء من ذلك، لا من جميعه، القليل منه والكثير.

              قالوا: وفي القليل من هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج من الإسلام.

              ففي ذلك الدليل الواضح على أن معناه الامتلاء من جميع أنواع الشعر على ما وصفنا.

              وقال آخرون: قد وردت هذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعارضتها أخبار أخر غيرها، وهي الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر المؤمنين به من شعراء أصحابه بقيل الشعر، وهجاء المشركين إذ هجاهم المشركون، وتركه على رواة ذلك في عصره الإنكار عليهم في روايتهم إياه، واستنشاده بعضهم كثيرا منه، واستماعه إلى منشديه كثيرا، من غير كراهة منه لذلك  

              التالي السابق


              الخدمات العلمية