الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
389 - محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله الشافعي الإمام .

ولد بغزة من بلاد الشام وقيل: بعسقلان وقيل: باليمن ، ونشأ بمكة ، وكتب العلم بها وبمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقدم بغداد مرتين، وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته.

سمع مالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعد ، وسفيان بن عيينة وغيرهم، واجتمع مع إمامنا أحمد ، وسمع منه وذاكره، ونقل عنه وحاضره. ذكر ذلك الأئمة الحفاظ.

منهم: أبو حاتم الرازي فيما أخبرنا المبارك ، أخبرنا إبراهيم ، أخبرنا علي بن مردك ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أحمد بن حنبل [ ص: 281 ] أكبر من الشافعي . تعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل ، وكان الشافعي فقيها، ولم تكن له معرفة بالحديث،  فربما قال لأحمد : هذا الحديث قوي محفوظ، فإذا قال أحمد : نعم جعله أصلا وبنى عليه.

ومنهم إسحاق بن حنبل ابن عم إمامنا أحمد ، فيما أخبرنا المبارك عن إبراهيم عن أبي بكر عبد العزيز قال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا حنبل قال: سمعت أبي إسحاق بن حنبل يقول: كان الشافعي يأتي أبا عبد الله عندنا ههنا عامة النهار يتذاكران الفقه، وما أخرج الشافعي في كتبه يعني عن أبي عبد الله ، حدثني بعض أصحابنا عن إسماعيل ، وأبي معاوية والعراقيين، فهو عن أبي عبد الله كان يأخذه.

ومنهم الفضل بن زياد فيما أنبأنا رزق الله عن محمد بن أبي الفوارس ، أخبرنا أبو عمر بن حيويه ، حدثنا أبو الفضل الصندلي –إملاء - حدثنا فضل بن زياد عن أحمد أنه جالس الشافعي بمكة فأخذ عنه التفتيق وكلام قريش ، وأخذ الشافعي منه معرفة الحديث. قال فضل : وكل شيء في كتابكم - يعني كتاب الزعفراني سفيان بن عيينة إسماعيل بن علية بلا حدثنا فهو عن أحمد بن حنبل أخذه.

ومنهم: أبو بكر الأثرم فيما كتب به إلي المروذي فقال في أثنائه: وأن أبا عبد الله وإن كان قريبا موته، فقد تقدمت إمامته، ولم يخلف فيكم شبهة، وإنما أبقاه الله لينفع به، فعاش ما عاش حميدا، ومات بحمد الله مستورا مغبوطا، يشهد له بذلك خيار عباد الله الذين جعلهم الله شهداءه في أرضه، ويعرفون له ورعه وتقواه، وزهده وأمانته في المسلمين، وفضل علمه، ولقد انتهى إلينا أن الأئمة الذين لم ندركهم كان فيهم من ينتهي إلى قوله، ويسأله، ومنهم من يقدمه ويصفه بالعلم، لقد أخبرت أن وكيع بن الجراح كان ربما سأله، وأن عبد الرحمن بن مهدي كان يحكي عنه، ويحتج به، ويقدمه في العلم ويصفه به، ونحو ذلك [ ص: 282 ] منذ نحو ستين سنة، وأخبرت أن الشافعي كانت أكثر معرفته بالحديث مما تعلم منه.

ومنهم: عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما أخبرنا المبارك عن إبراهيم عن عبد العزيز ، حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال لي أبي: قال لنا الشافعي : أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني إن شاء أن يكون كوفيا، أو بصريا، أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا. قال عبد الله : وسمعت أبي - وذكر الشافعي - فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه. قال عبد الله : وكل شيء في كتاب الشافعي عن هشيم وغيره فهو عن أبي.

ومنهم: أبو الحسن الدارقطني فيما أنبأنا المبارك ، أخبرنا عبد الكريم المحاملي ، أخبرنا الدارقطني قال: أخبرني عبيد الله بن محمد بن خلف أن عبد الله بن محمد بن جعفر حدثهم قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز عن أبيه قال: حدثنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن غندر عن شعبة عن الربيع بن الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: مر بنا ناس ينطلقون، فقلنا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن نقتله  ، وأراه قال: "ونأخذ ماله" قال الشافعي : وقد روي هذا الحديث عن عدي بن ثابت من طرق شتى مثل هذا المعنى وأبين لفظا فيه: أن نقتله ونأخذ ماله.

قال الدارقطني : هذا حديث معروف برواية غندر عن شعبة ، وقد حدث به أحمد بن حنبل عن غندر هكذا والله أعلم عمن أخذه الشافعي . ذكر الدارقطني هذا الحديث فقال: حديث الشافعي عن غندر محمد بن جعفر أو عن أحمد بن حنبل عن غندر .

ومنهم: أبو محمد الخلال ومنهم: أبو بكر الخطيب فقال في أول كتاب السابق واللاحق حدث عن أحمد بن حنبل : أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي [ ص: 283 ] ، وأبو القاسم البغوي وبين وفاتيهما مائة وثلاث عشرة سنة، مات الشافعي سنة أربع ومائتين، ومات البغوي سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

حدث عن الشافعي جماعة منهم: الكرابيسي ، والزعفراني ، وأبو يحيى العطار ، وأبو ثور وغيرهم.

أخبرنا المؤرخ - قراءة - قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي قال: أخبرنا الحسين بن يحيى بن عياش القطان ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءوه فقالوا: يا رسول الله، إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه   ".

وقال ابن عبد الحكم : لما أن حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر ، ثم وقع في كل بلد منه شظيته، فتأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر ، ثم يتفرق في سائر البلدان.

وقال الربيع بن سليمان : كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة،  فإذا كان في شهر رمضان ختم في كل ليلة ختمة وفي كل يوم ختمة، فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة.

وقال الميموني : سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سحرا: أحدهم الشافعي فلنذكر الآن معتقده.

قرأت على المبارك قلت له: أخبرك محمد بن علي بن الفتح قال: أخبرنا علي بن مردك قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى المصري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول - وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به -  فقال: لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمته، لا يسمع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به، وصح عنه بقول النبي صلى الله [ ص: 284 ] عليه وسلم فيما روى عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر، ونحو ذلك أخبار الله سبحانه وتعالى أتانا أنه سميع، وأن له يدين بقوله " بل يداه مبسوطتان ، " وأن له يمينا بقوله " والسماوات مطويات بيمينه ، " وأن له وجها بقوله " كل شيء هالك إلا وجهه " وقوله " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، " وأن له قدما بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " حتى يضع الرب فيها قدمه " - يعني جهنم - ، وأنه يضحك من عبده المؤمن بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي قتل في سبيل الله " إنه لقي الله وهو يضحك " إليه، وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وأنه ليس بأعور بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذ ذكر الدجال فقال: إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور "، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن - عز وجل - " . فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لا يدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

التالي السابق


الخدمات العلمية