الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
446 - محمد بن محمد بن إدريس الشافعي الإمام أبو عثمان .

سمع أباه وسفيان بن عيينة ، وسأل إمامنا عن أشياء. [ ص: 316 ]

منها: ما أنبأنا المبارك ، أخبرنا إبراهيم ، حدثنا محمد بن العباس ، حدثنا جعفر الصندلي قال: أخبرنا خطاب بن بشر قال: أتينا أحمد بن حنبل في النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين أنا وأبو عثمان ابن الشافعي ، فذكر له ابن الشافعي أمر مالك ، وما كان يذهب إليه من ترك أحاديث رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر له أمر ابن أبي ذئب ، وأثنى عليه فقال: كان ابن أبي ذئب يشبه بسعيد بن المسيب في خشونته ومذهبه، وذكر اتباعه لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: كان يقول في مالك وفي تركه الحديث يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر له "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وترك مالك الأخذ به حتى يبلغ به، يعني القتل، وذكر كلاما لأبي جعفر ، ورأيته يترحم عليه كثيرا، وقال: كان يحضر هو ومالك عند السلطان، فلا يزال يتكلم ومالك ساكت، وذكر له ابن الشافعي عن الحديث الذي يرويه مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخالفه، فقال: هذا تخليط.

وسأله ابن الشافعي عن الحديث الذي يرويه مالك ، وابن أبي ذئب في مذهب أهل المدينة في إتيان النساء في أدبارهن.  فقال: ما أدري أي شيء هذا؟ الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في خلاف هذا كثيرة، وهو الحق عندنا، قال الله - عز وجل - : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " الحرث لا يكون إلا موضع الولد، أو شبهة بهذا؟

وسأله ابن الشافعي عن جلود الميتة؟  فقال: لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب. إلى هذا أذهب، ثم قال: كيف يكون الدباغ ذكاة؟ يعقل هذا العرب؟ أرأيت لحم الميتة يذكيه الدباغ؟ إنما الدباغ قرظ وما أشبهه. فقال له ابن الشافعي : ليس يعقل هذا في اللغة، ولكن الخبر الذي روي فيه؟ فقال: دع الخبر، الخبر فيه اضطراب، كلهم لا يذكرون فيه الدباغ إلا ابن عيينة وحده، وقد خالفه مالك وغيره، والذين ذهبوا إلى هذا الخبر ذهبوا إلى الانتفاع به غير مدبوغ. وهكذا [ ص: 317 ] يروى عن ابن شهاب أنه يرى الانتفاع بالجلد وإن لم يدبغ. والخبر مضطرب بعضهم يقول: شاة لميمونة ، وبعضهم يقول: لسودة .

وذلك الخبر صحيح، وقد سمعت أبا عبد الله الشافعي ورجل يناظره فيه. وكان يذهب إلى الدباغ فيه: أنه يطهره، فقال للذي يناظره - وقد أضجره - وجلدك أيضا إن دبغ انتفع به؟

وذكر أحمد حديث ابن وعلة عن ابن عباس "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ، وذكر ابن وعلة فضعفه، فقال له أبو عثمان ابن الشافعي : لا يزال الناس بخير ما من الله عليهم ببقائك وكلاما من هذا النحو كثيرا. فقال: لا تقل هذا يا أبا عثمان .

وسأله ابن الشافعي - وأنا أسمع - عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: لا يجهر بها. هكذا: جاء الحديث، ولكن يخفيها في نفسه، وهي آية من كتاب الله.

وسئل أحمد عن القراءة خلف الإمام؟  فقال: لا يقرأ فيما يجهر، ويقرأ فيما أسر في الركعتين الأوليين بالحمد وسورة، وفي الركعتين الأخريين بالحمد. فقال له رجل: فإن كان للإمام سكتة فيما يجهر يقرأ؟ فقال: إن كان يمكنه أن يقرأ يقرأ، ولا أحب أن يقرأ والإمام يجهر، وجعل يعجب ممن يذهب إلى هذا، وقال: أليس يدرك الإمام راكعا فيركع معه ولا يقرأ. وهذا أبو بكرة قد جاء والإمام راكع فركع دون الصف، فاحتسب بها، فقال له ابن الشافعي : الذي يذهب إلى هذا يذهب إلى الحديث: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " فقال: قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة ".

وتوفي أبو عثمان ابن الشافعي في سنة إحدى وثمانين ومائتين.

التالي السابق


الخدمات العلمية